د. حمد الكساسبة : ثقة أعلى بالحكومة… لكن الاقتصاد يروي قصة أخرى

تكشف نتائج الدورة التاسعة من الباروميتر العربي عن صورة مزدوجة لموقف الأردنيين من الحكومة والاقتصاد. فمن جهة، ارتفعت الثقة بالحكومة إلى 49%، مقارنة بـ39% في أواخر عام 2023، وبلغ الرضا عن أدائها العام 61%. وهي نتائج إيجابية وواضحة. لكن من جهة أخرى، أظهر الاستطلاع أن القلق الاقتصادي بقي مرتفعاً، وأن تقييم أداء الحكومة في الوظائف والأسعار ومستوى المعيشة كان أضعف بكثير من مستوى الثقة العامة بها. ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية: ثقة أعلى بالحكومة، مقابل رضا اقتصادي أقل.
وقبل إسقاط هذه النتائج على واقع اليوم، لا بد من التوقف عند زمن القياس وحدود المقارنة. فقد أُجري الاستطلاع بين الأول والثاني عشر من تشرين الأول 2025، بعد نحو عام من تشكيل الحكومة الحالية. أما نسبة الثقة البالغة 49%، فتُقارن بنسبة 39% المسجلة في أواخر 2023، أي في ظل حكومة سابقة. لذلك لا يمكن نسبة كامل الارتفاع إلى الحكومة الحالية، وإن كانت نسبة 49% تعكس مستوى الثقة بها بعد نحو عام من توليها المسؤولية. كما أن التقرير نُشر في 4 أيلول 2026، بعد نحو أحد عشر شهراً من جمع البيانات؛ ومن ثم فهو يرصد مرحلة سابقة ولا يقيس المزاج العام لحظة النشر. وفي المقابل، فإن قدم البيانات يعني أيضاً أنه لا يقيس ما قد يكون طرأ لاحقاً من تحسن أو تراجع. وتزداد أهمية ذلك مع إطلاق الحكومة في أيلول 2026 حملة «عامان من العمل.. من الرؤية إلى الواقع»، التي أعلنت أنها ستعرض نتائج عامين من العمل وانعكاس المشاريع والبرامج والقرارات على حياة المواطنين. لذلك فإن الحكم على أثر السياسات الاقتصادية للحكومة اليوم يحتاج إلى بيانات أحدث تقيس المرحلة الحالية.
وإذا قُرئت النتائج ضمن الفترة التي يقيسها الاستطلاع، فإنها تمنح الحكومة رصيداً واضحاً في الجانب المؤسسي والخدمي. فقد حصل أداؤها في حفظ الأمن والنظام على تقييم إيجابي بلغ 90%. كما سجلت الخدمات الأساسية مستويات رضا مرتفعة نسبياً: الكهرباء 79%، وجمع النفايات 73%، والمياه 69%، والرعاية الصحية 67%، والتعليم 66%. وهذه النتائج تساعد في تفسير ارتفاع الثقة والرضا العام؛ فالمواطن يقدّر الاستقرار واستمرارية الخدمات وقدرة المؤسسات على العمل في بيئة إقليمية مضطربة. لكن قوة هذه المؤشرات لا تعني تلقائياً أن الأثر الاقتصادي كان بالمستوى نفسه.
فعند الانتقال إلى الاقتصاد، كانت الصورة في الاستطلاع أكثر صعوبة. فقد اعتبر 59% من الأردنيين الاقتصاد التحدي الأهم الذي يواجه البلاد، في حين لم يقيّم الظروف الاقتصادية بصورة إيجابية سوى 27%. أما بشأن المستقبل، فتوقع 47% تدهور الأوضاع الاقتصادية، ورأى 21% أنها ستبقى دون تغيير، بينما توقع 30% فقط تحسنها خلال العامين إلى الأعوام الثلاثة التالية. هذه الأرقام لا تعني غياب الأمل، لكنها لا تدعم وصف المزاج العام آنذاك بأنه متفائل اقتصادياً؛ فالتحسن في الثقة بالحكومة ترافق مع قلق اقتصادي واسع.
ويظهر الاختبار الأقرب إلى حياة المواطن عند السؤال عن أداء الحكومة في الملفات الاقتصادية اليومية. فقد بلغت نسبة الرضا 22% عن خلق فرص العمل، و23% عن إبقاء الأسعار منخفضة، و24% عن تقليل عدم المساواة. وفي المقابل، بلغ الرضا العام عن أداء الحكومة 61%. والفارق هنا كبير ومهم في تفسير النتائج. فالاستطلاع لا يقيس الأثر السببي المباشر للسياسات، لكنه يوضح كيف كان المواطن يقيّم انعكاسها على حياته وقت إجراء الاستطلاع. لذلك يمكن القول إن رصيد الثقة كان أعلى من مستوى الرضا عن النتائج الاقتصادية، من دون افتراض أن الصورة بقيت كما هي حتى أيلول 2026.
وتعزز أوضاع الأسر هذه القراءة للفترة نفسها. فقد أفاد 61% بأنهم تعرضوا خلال الشهر السابق للاستطلاع لشكل من أشكال انعدام الأمن الغذائي بسبب نقص المال. وقال 38% إن الطعام نفد من أسرهم في مرحلة ما خلال العام السابق. كما فكر 44% في الهجرة، وذكر 92% ممن يفكرون فيها أسباباً اقتصادية، فيما قال 40% من هؤلاء إنهم بدأوا بالفعل بالتحضير للمغادرة. ولا يجوز تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية أوضاع تراكمت عبر سنوات، لكن هذه المؤشرات توضح أن ارتفاع الثقة في 2025 لم يكن يعني بالضرورة أن الضغوط الاقتصادية على الأسر قد زالت.
وفي هذا السياق، تقتضي الشفافية في عرض نتائج الاستطلاع ألا تُختزل في العناوين الأكثر إيجابية وحدها، بل أن تُقدَّم ضمن سياقها الزمني والموضوعي الكامل. فقد أبرزت بعض التغطيات ارتفاع الثقة بالحكومة والرضا العام، وأوحت بصياغتها بأن النتائج تصف المزاج العام عند نشر التقرير في أيلول 2026، مع أن البيانات جُمعت في تشرين الأول 2025، كما لم تمنح المؤشرات الاقتصادية الوزن نفسه الذي أظهره التقرير. والمشكلة هنا ليست في صحة الأرقام المنشورة، بل في طريقة عرضها وانتقائها؛ فالشفافية تقتضي أن يعرف القارئ متى جُمعت البيانات، وما الذي تقيسه، وما الذي لا يمكن أن نستنتجه منها.
وعليه، فإن الاستطلاع يمنح الحكومة رصيداً إيجابياً مهماً عن المرحلة التي قاسها: ثقة أعلى، ورضا عام أفضل، وتقييماً مرتفعاً للأمن والخدمات. لكنه لا يقدم، في الوقت نفسه، دليلاً مماثلاً على أن السياسات الاقتصادية كانت قد انعكست بالقدر نفسه على حياة المواطنين حتى تشرين الأول 2025، كما أنه لا يصلح وحده للحكم على واقع أيلول 2026. وهذه هي القراءة الأكثر إنصافاً للبيانات. أما تقييم أثر السياسات اليوم، فيجب أن يستند إلى مؤشرات أحدث وإلى النتائج التي ستعرضها الحكومة عن عامين من العمل. وفي النهاية، فإن أفضل ما يعزز الثقة بالحكومة ويحافظ عليها هو أن تتحدث النتائج عن نفسها، وأن يلمس المواطن أثر السياسات في فرص العمل والدخل والخدمات وكلفة المعيشة


















