أ.د. محمد الفرجات يكتب : الناقل الوطني يفتح سوقاً جديداً.. هل يستعد القطاع الخاص لصناعة معدات التحلية؟

عندما نتحدث عن الناقل الوطني للمياه، غالباً ما ينصرف التفكير إلى محطة تحلية مياه البحر وخط النقل الذي سيمتد من العقبة إلى المحافظات. لكن خلف هذا المشروع الاستراتيجي توجد سلسلة صناعية وتقنية واسعة قد تشكل فرصة حقيقية أمام القطاع الخاص الأردني.
المشروع يستهدف تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من مياه البحر في العقبة، باستخدام تقنية التناضح العكسي، ثم نقل المياه إلى مختلف مناطق المملكة. وهذا الحجم يعني منظومة تشغيلية ضخمة تحتاج، إلى جانب المحطة نفسها، إلى معدات ومرشحات وقطع غيار وخدمات فنية وصيانة وتشغيل على مدى سنوات طويلة.
وهنا يتبين السؤال:
هل يستعد القطاع الخاص الأردني منذ الآن لدخول سوق معدات وتقنيات التحلية؟
فالتناضح العكسي ليس مجرد أغشية تضخ خلالها المياه. قبل وصول مياه البحر إلى الأغشية، تمر بمنظومة من المعالجة الأولية والترشيح والتعقيم وإزالة المواد العالقة والمواد العضوية، والحد من التلوث والنمو البيولوجي الذي قد يؤثر في كفاءة الأغشية وعمرها التشغيلي.
وهذه المنظومة تحتاج إلى منتجات ومعدات متعددة، من بينها المرشحات متعددة الوسائط، والمرشحات الخرطوشية، ومعدات المعالجة الأولية، وأنظمة الترشيح الدقيق والفائق، وأوعية المرشحات، والمضخات، وأجهزة القياس والتحكم، وقطع الغيار ومستلزمات الصيانة، إضافة إلى مواد ومكونات أخرى تختلف بحسب التصميم النهائي للمحطة.
وهنا لا ينبغي أن يكون الطموح أن يصنع الأردن كل شيء منذ اليوم الأول. بعض التقنيات المتقدمة، خصوصاً أغشية التناضح العكسي، تحتاج إلى استثمارات كبيرة، وخبرات متخصصة، ومختبرات، وشراكات ونقل تكنولوجيا واعتماد دولي.
لكن يمكن البدء بما هو أكثر واقعية: تصنيع محلي، وتجميع، وشراكات تقنية، وتأهيل موردين أردنيين، ثم الانتقال تدريجياً إلى منتجات ذات قيمة تقنية أعلى.
والأهم أن السوق لا ينتهي عند الناقل الوطني.
فالأردن، بحكم محدودية موارده المائية، يتجه إلى زيادة الاعتماد على التحلية ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، ما يعني أن الطلب على المعدات والخدمات المرتبطة بالمياه يمكن أن يصبح سوقاً مستداماً، وليس فرصة مرتبطة بمشروع واحد.
ومن هنا يمكن للقطاع الخاص أن ينظر إلى العقبة ليس فقط باعتبارها نقطة انطلاق للناقل الوطني، وإنما باعتبارها موقعاً مناسباً لدراسة تجمع صناعي متخصص في تكنولوجيا المياه يضم التصنيع، والصيانة، والمختبرات، والبحث والتطوير، والبرمجيات، وأنظمة التحكم، والخدمات الهندسية.
كما يمكن للشركات الأردنية الدخول في شراكات مع الشركات العالمية المشاركة في المشروع، بحيث لا يكون دورها مقتصراً على التوريد التقليدي، وإنما يشمل نقل المعرفة، وتدريب الكوادر، وتوطين بعض الصناعات والخدمات، ثم التوسع نحو أسواق المنطقة.
وبالطبع، يجب ألا يتحول مفهوم «التوطين» إلى حماية منتجات غير قادرة على المنافسة. المعيار يجب أن يكون واضحاً: جودة مطابقة للمواصفات العالمية، كلفة تنافسية، اعتمادية، وقدرة حقيقية على الاستمرار والتصدير.
لذلك فإن الرسالة إلى القطاع الخاص الأردني بسيطة:
لا تنتظروا اكتمال مشروع الناقل الوطني حتى تبحثوا عن الفرصة. ابدأوا الآن بدراسة سلسلة القيمة الكاملة للتحلية، وحددوا ما يمكن تصنيعه في الأردن، وما يحتاج إلى شريك تكنولوجي، وما يمكن أن يتحول لاحقاً إلى صناعة تصديرية.
فالناقل الوطني لا يمكن أن يكون مجرد مشروع لإنتاج ونقل المياه.
يمكن أن يكون أيضاً بداية لسوق أردني جديد في تكنولوجيا المياه، حيث تتحول الحاجة المائية إلى حافز للاستثمار والصناعة والمعرفة.
السؤال اليوم ليس فقط: من سيحلي مياه البحر؟
بل أيضاً:
من سيصنع المعدات التي ستجعل الأردن قادراً على تحلية مياهه وصيانة منظومته وتطويرها لعقود قادمة؟
كتب أ.د. محمد الفرجات

















