+
أأ
-

الدبلوماسية الملكية الأردنية: من إدارة الأزمات إلى المشاركة في صياغة الاستجابات

{title}
بلكي الإخباري

 

الدكتورة أسمهان ماجد الطاهر

زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى فرنسا، ثم إلى جمهورية التشيك، وصولًا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليست مجرد برنامج دبلوماسي متتابع؛ بل تبدو، كمسار سياسي متكامل يعكس طبيعة الدور الذي يضطلع به الأردن في منطقة شديدة الاضطراب، ويكشف في الوقت نفسه عن العلاقات التي يعمل الأردن على ترسيخها مع أوروبا والمجتمع الدولي.

 فالأردن في قلب التحولات الإقليمية حريصا على حماية الاستقرار الإقليمي وصناعة التوازن.

في الزيارة إلى باريس، التقى جلالة الملك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزاف عون، وترأس معهما اجتماعًا ضمن مبادرة اجتماعات العقبة بهدف حشد الدعم للقوات اللبنانية وتعزيز قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها وأمنها.

وهنا تبرز دلالة تتجاوز موضوع الاجتماع نفسه.

فالأردن لا يتعامل مع الأزمة اللبنانية باعتبارها أزمة بعيدة عن أمنه الوطني، بل ينظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءًا من استقرار المشرق العربي بأكمله، والاردن جزءًا من إدارة الأزمات الإقليمية وليس مجرد دولة تتلقى نتائجها. 

وقد أكدت فرنسا والأردن في بيانهما المشترك أهمية الشراكة الدفاعية والأمنية، وربطا أمن الأردن باستقرار الشرق الأوسط وشرق المتوسط، كما اتفق الطرفان على دعم لبنان وتعزيز سيادته. 

من أهم ما يلفت النظر في البيان الأردني الفرنسي أن التعاون لم يقتصر على الدفاع والأمن، فقد تناول الطرفان مشروع الناقل الوطني للمياه – مشروع العقبة/عمان لتحلية ونقل المياه، باعتباره مشروعًا استراتيجيًا للأردن، كما بحثا تعزيز سلاسل التوريد والربط الاقتصادي بين الشرق الأوسط وشرق المتوسط وأوروبا.

كما تضمن البيان الفرنسي–الأردني أيضًا القضية الفلسطينية، وضرورة قيام دولة فلسطينية على أساس حل الدولتين، ورفض الإجراءات التي من شأنها تهجير الفلسطينيين قسرًا. إضافة إلى التأكيد على مكانة الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.وهنا تتضح خصوصية الموقف الأردني.

فالأردن يرى أن ملفات فلسطين والقدس ولبنان وسوريا وأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط ليست ملفات منفصلة تمامًا، وإنما حلقات متداخلة في منظومة الأمن الإقليمي.

أما في براغ فقد حملت هذه المحطة دلالة مهمة تنقل التحرك الأردني من الدبلوماسية المرتبطة بالأزمات المباشرة إلى بناء علاقات أوسع مع دولة أوروبية مؤثرة في مجالات الدفاع والصناعة والطاقة والاقتصاد.

لقد بحث جلالة الملك مع رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش توسيع التعاون بين البلدين وتبادل الخبرات في قطاعات حيوية، كما شدد على أهمية تكثيف الجهود الدولية لخفض التصعيد في المنطقة والاعتماد على الدبلوماسية والحوار.

كما التقى جلالة الملك المفدى مسؤولين في شركات تشيكية تعمل في قطاع الصناعات الدفاعية، وبحث معهم تطوير التعاون وتبادل الخبرات والتكنولوجيا الدفاعية.

واللافت أن الجانب التشيكي وضع الزيارة في إطار أوسع من العلاقات الثنائية، حيث ركز على أمن الشرق الأوسط والتعاون الدفاعي والعلاقات الاقتصادية باعتبارها من الملفات الرئيسية للزيارة. 

ولا تبدو الشراكة الأردنية مع أوروبا محصورة في البعد السياسي أو الاقتصادي التقليدي؛ بل تتجه بصورة متزايدة إلى شراكات عملية في الدفاع والطاقة والمياه والتكنولوجيا والاستثمار وسلاسل الإمداد.

وهذا التنويع يمنح الأردن مساحة أوسع للحركة في بيئة دولية تتغير بسرعة، وبناء الأردن 

شبكة علاقات واسعة ومتوازنة يمثل جزءًا مهمًا من أدوات السياسة الخارجية الأردنية.

وصولاً إلى زيارة نيويورك للمشاركة في أعمال الأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. إلى المنبر الذي تتقاطع فيه أزمات العالم كلها. 

من باريس إلى براغ، وصولًا إلى نيويورك، تبدو الرسالة الأهم أن الأردن يعمل على تعزيز حضوره في صياغة الاستجابات الإقليمية والدولية. وتبقى القضية الفلسطينية والقدس في صلب هذا الحضور، باعتبارهما من القضايا التي يحتفظ الأردن بشأنها بموقف سياسي ودبلوماسي واضح ومستمر.

حفظ الله الأردن، وأدام عليه أمنه واستقراره.

a.altaher@meu.edu.jo