خطاب الملك...بوصلة لا تشير إلى الأردن وفلسطين بوصلة مشبوهة

محمد العزة
البارحة، أطل الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، موجها خطابا سياسياً إلى المجتمع الدولي. أكاد أجزم بإجماع الحضور والجمهور الذي سمعه وتابعه عبر شاشات التلفزة العالمية، بأنهم اتفقوا على تصنيفه ضمن ما يعرف بخطاب الأدب السياسي الدبلوماسي المقاوم، حتى إنه أثار امتعاض المندوب الإسرائيلي الذي لم يعتد سماع نبرة خطاب موجه للكيان بهذا السقف ، لما تضمنه من موقف متقدم على مختلف الأصعدة تجاه القضية الفلسطينية وقضايا المنطقة.
خطاب اتصف بالجرأة والشجاعة وبراعة توظيف الدبلوماسية لإيصال رسالة أراد الملك منها إعادة ضبط بوصلة الانتباه العالمي وتركيزها نحو ممارسات الكيان الإسرائيلي وحكومته اليمينية المتطرفة، في دعوة عامة وعلى مختلف الأصعدة إلى وجوب العمل جميعا لتكثيف الجهود وتسليط الأضواء على القضية الفلسطينية، لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي الدائر منذ ما يزيد على 78 عاما ، في أطول احتلال استيطاني عرفه هذا الزمان، نتيجة ما يراه الأردن استمرارا لسياسات دولية داعمة مكنت هذا الكيان من ارتكاب جرائم بحق الإنسانية دون رادع أو محاسبة، ودون اعتبار كاف للقانون الدولي الذي يجري الالتفاف عليه وتجاوزه في كل مرة تكون الإدانة للكيان .
الملك في خطابه وضع النقاط على الحروف، وأعاد مسطرة الكتابة إلى مكانها، عندما أكد أن استمرار السياسات الإسرائيلية يشكل مصدراً رئيسياً لعدم استقرار المنطقة وإبقائها في حالة من اللا حرب واللا سلم، ليدعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته بموجب ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وترك نهج ازدواجية المعايير والتغافل ومحاولات تشتيت الانتباه في كل مرة يدور فيها النقاش بشأن ممارسات الكيان الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني، وحرمانه من حقوقه الشرعية في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف فوق ترابه الوطني التاريخي.
وفي الوقت ذاته، وجه الملك رسالة واضحة بشأن دول المنطقة العربية، وفي مقدمتها الأردن، الذي يتبنى القضية الفلسطينية قضية مركزية، ويواجه تداعيات وتهديدات الكيان الإسرائيلي لأمنه الوطني وسيادة أراضيه منذ نشأته إلى يومنا هذا، بمواقف صلبة وواضحة وصريحة، وثوابت غير قابلة للتنازل أو المساومة عليها.
ومضمون الرسالة أن بقاء الوضع العام الحالي في المنطقة على ما هو عليه، (دون إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، والتوصل إلى تسوية تحقق السلام وتضمن حقوق الشعب الفلسطيني) ، لم يعد أمرا يمكن التعامل معه وكأنه واقع دائم ، فمع مستجدات الأحداث و تعقيداتها ، يصبح من حق الأردن أن يدافع عن مواقفه و ثوابته التي تعبر وتخدم مصالحه ، بكل الوسائل المشروعة المتاحة.
وهي إشارة تقطع الشك باليقين إلى أن الأردن لن يكون أو يبقى مكتوف الأيدي، كما يظن البعض ممن يشككون بثوابته ، و يبذلون قصارى جهدهم لتشويه صورة مواقفه الداعية إلى السلام أولا .
لكن الدعوة إلى السلام لا تعني إسقاط حق الأردن في الدفاع عن نفسه، ولا تعني تجاهل خيار القوة إذا ما شعر بأن هناك تحركات إسرائيلية لتجاوز الخطوط الحمر، أو الاعتداء على حدوده، أو المساس بسيادته ، أو تشكيل خطر يهدد أمنه القومي وسلامة أراضيه من أي نقطة من نقاط التماس معه ، سواء بطريقة غير مباشرة، عبر زيادة وتيرة الأعمال العدوانية في الضفة الغربية بهدف التهجير القسري لأهلها أصحاب الأرض، أو عبر أي اعتداء مباشر على الأردن.
أردنيا ، وعلى المستوى المحلي، جاء خطاب الملك ليقطع الشك باليقين، و يدحض كل محاولات الاصطياد في الماء العكر، و كأن لسان حاله يقول:
بوصلة لا تشير إلى الأردن و فلسطين والقدس بوصلة مشبوهة.
وكل من يحاول حرفها أو تشتيت الانتباه عنها، إما أنه متخاذل أو متواطئ مع اليمين الإسرائيلي المتطرف ضد الأردن وقضيته المركزية والأمة العربية جمعاء.
ليذكرنا جميعا بخطاب الباني الراحل الملك الحسين بن طلال، وهو يشارك شعبه احتفالات انتصار معركة الكرامة، عندما خاطبهم قائلاً:
"للدفاع عن الأردن كلنا جنود وعسكر، و للدفاع عن فلسطين أنا الفدائي الأول".
أردنيا، المطلوب منا اليوم أن يكون التركيز في خطابنا السياسي موجها نحو الكيان الإسرائيلي وحكومته اليمينية المتطرفة، وألا نخذل الملك بتشتيت بوصلة النقاش، واستنزاف الجهود، وهدر الطاقات، بعد أن أعاد ضبطها و أعاد توجيهها نحو مصدر الخطر الذي يهدد استقرار المنطقة.
فالمطلوب أن نفهم الرسالة الملكية كما هي: أن استمرار السياسات الإسرائيلية الحالية يشكل خطرا متزايدا على استقرار الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ويدفع بها نحو مزيد من التطرف والعنف، و يضرم حرائق النزاعات فيها، بما يشكل أحد أخطر التهديدات لمسيرة السلام والاستقرار داخلها.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا الوطنية اليوم تقتضي ألا نسمح بتحويل النقاش عن جوهر القضية، وألا ننشغل بتفاصيل جانبية تستنزف الخطاب السياسي الأردني وتشتت بوصلته.
فالبوصلة التي تشير إلى فلسطين لا يمكن أن تغفل الأردن، و البوصلة التي تحمي الأردن لا يمكن أن تتخلى عن فلسطين.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تبقى واضحة في الوعي السياسي الأردني: فلسطين قضية مركزية، والأردن وطن وهوية وسيادة وأمن قومي ، والسلام خيار استراتيجي، والدفاع عن الأردن و ثوابته حق لا يقبل المساومة.

















