غسان الشواهين : النزاهة والشفافية.. بوصلة البناء المخلص وأساس الدولة الأردنية الحديثة

بقلم غسان الشواهين
في خضم معركة الوعي والبناء التي يخوضها الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة، تبرز "النزاهة" لا كشعار يُرفع في المناسبات، بل كعقيدة وطنية وسيف بتّار لا غنى عنه لصون كرامة الدولة وهيبة مؤسساتها. فلا تنمية مستدامة ترتجي، ولا عدالة اجتماعية تُرتقب، إن لم تكن النزاهة هي القاعدة الصلبة التي يُبنى عليها جدار الوطن.
فما هي النزاهة؟ ومن أين تستمد قوتها وجبروتها في التشريع الأردني؟
ما هي النزاهة؟
النزاهة ليست كلمة تُكتب بماء الذهب على الجدران، بل هي منظومة قيم وأخلاق تسري في عروق المؤسسة كما يسري الدم في الجسد. هي الصدق إذا تحدث المسؤول، والأمانة إذا اؤتمن على مقدرات الشعب، والشفافية إذا اتُخذ القرار، والحياد إذا وُزّعت الحقوق.
هي باختصار، أن تضع يدك على المال العام كأنك تضعها على مال اليتيم، فلا تمتد إليه إلا بحق، وأن تؤدي واجبك لا خوفاً من رقيب، بل خشية من ضمير حيّ لا ينام، ووازع ديني يذكرك بأن الله يراك. النزاهة هي السد المنيع في وجه أخطبوط الفساد، وهي المقصلة التي تُطيح بالرشوة والمحسوبية والاختلاس.
من أين تستمد النزاهة شرعيتها في الأردن
لا تنبت قوانين النزاهة في الأردن من فراغ، بل تضرب بجذورها روافد عظيمه :
الدستور الأردني - المرجعية الأسمى
هو أم الكتب وحصن الحقوق. فالدستور الأردني ألزم الدولة بصون الحريات وحماية المال العام، وأكد أن الأردنيين أمام القانون سواء، لا فضل لمتنفذ على بسيط إلا بنزاهته. ومن رحمه انبثقت كل التشريعات التي تحصن الوطن من العبث.
التشريعات الوطنية والهيئة المستقلة
ترجمت الدولة إرادتها الفولاذية في حزمة قوانين لا تعرف المجاملة، وفي مقدمتها قانون النزاهة ومكافحة الفساد، وقانون الكسب غير المشروع، وقانون العقوبات، وقانون الجرائم الاقتصادية. وتوجت ذلك بإنشاء هيئة النزاهة ومكافحة الفساد كصقر يحلق فوق كل المؤسسات، يملك الاستقلال والولاية القانونية ليضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه المساس بقوت الشعب.
مدونات السلوك والمواثيق الدولية
فمن مدونة السلوك الوظيفي التي تضبط إيقاع الموظف العام، إلى التزام الأردن باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، يقف الأردن شامخاً يطبق أعلى معايير الحوكمة العالمية بثوب أردني أصيل.
لكن النزاهة لا يحرسها قانون وحده
إن القانون بلا ضمير كسيف بلا يد تحمله. وهنا يأتي دور الرقابة الداخلية في كل مؤسسة، تلك العين الساهرة التي يجب تفعيلها لا تهميشها. فكل مدير هو رقيب أول، وكل موظف هو حارس أمين.
والنزاهة قبل أن تكون نصاً في القانون، هي وازع ديني يهز القلب، فقد حثنا ديننا الحنيف على الأمانة وقال نبي الهدى "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". وهي ضمير وطني حي، وحب متجذر لهذا الثرى الطهور، فمن يحب الأردن حقاً لا يسرقه، ومن يخاف على مستقبل أبنائه لا يرهن مقدراتهم لمصلحة زائلة.
إن معركتنا ضد الفساد ليست معركة هيئة أو جهاز، بل هي معركة وطن بأكمله. عقد اجتماعي مقدس يلتف فيه الشعب صفاً واحداً خلف قيادته ومؤسساته الرقابية، لنقولها بصوت واحد: مقدرات الأردن خط أحمر، ومن يمسها فكأنما مسّ ترابنا وعرضنا ومستقبل أجيالنا.
فكونوا حراساً للنزاهة، فإنها بوصلة الوطن التي إن ضاعت، ضعنا جميعاً.
















