بعد «الموجة الزرقاء» في واشنطن: لماذا سيتعامل الديمقراطيون بحذر مع أحمد الشرع؟

تحليل صحفي خاص لموقع بلكي نيوز .
لم تكن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات منتصف الولاية مجرد تبديل للأغلبية داخل الكونغرس. بالنسبة إلى دمشق، تعني النتيجة أن الانفتاح الذي قاده الرئيس دونالد ترامب على أحمد الشرع سيدخل مرحلة جديدة: مرحلة التدقيق والاختبار والاشتراط.
فقد أعلن الديمقراطيون استعادة السيطرة على المجلسين في انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، في نتيجة وصفتها وكالة «أسوشيتد برس» بأنها ضربة قوية لترامب وإيذان ببدء عامين من المقاومة التشريعية والرقابة على إدارته 1. ولن يتولى الكونغرس الجديد مهامه فورًا، بل يبدأ عمله في يناير/كانون الثاني 2027. لكن الرسالة السياسية وصلت مبكرًا إلى دمشق: العلاقة مع واشنطن لا ينبغي أن تبقى مرتبطة بالرئيس ترامب ومبعوثه توم باراك وحدهما.
ماذا تعني النتيجة لسوريا؟
لا يستطيع الكونغرس، بمجرد تبدل أغلبيته، أن يلغي كل ما فعله ترامب في السياسة الخارجية. الرئيس هو الذي يدير الدبلوماسية وينفذ قرارات رفع العقوبات، وقد أصدرت إدارة ترامب بالفعل أوامر واسعة لتخفيف العقوبات عن سوريا، وألغت واشنطن تصنيفات إرهابية مرتبطة بهيئة تحرير الشام وأحمد الشرع، ثم ألغت في أغسطس/آب 2026 تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب 2 3 4.
لكن سيطرة الديمقراطيين تمنحهم أدوات قوية للتأثير: رئاسة لجان العلاقات الخارجية والشؤون الخارجية، عقد جلسات استماع، طلب الوثائق، التحقيق في أداء الإدارة، التأثير على المساعدات والتمويل، ووضع شروط جديدة على الاستثمارات وإعادة الإعمار والتعاون الأمني. كما يستطيع مجلس الشيوخ التأثير في تعيين كبار المسؤولين والسفراء، بينما يستطيع المجلسان استخدام القوانين والموازنة لتقييد بعض السياسات أو فرض آليات إبلاغ ومراقبة.
لهذا لن يكون السؤال الديمقراطي: «هل نتعامل مع الشرع أم لا؟» بل: ما الذي حصلت عليه الولايات المتحدة وسوريا مقابل هذا الانفتاح، وهل نفذت دمشق التزاماتها؟
لماذا سيحذر الديمقراطيون من الشرع؟
أولًا: ماضيه لا يزال حاضرًا في الحسابات الأمريكية
تنظر المؤسسة السياسية الأمريكية إلى الشرع باعتباره قائدًا انتقل من بيئة جهادية إلى رئاسة سوريا الانتقالية، لا باعتباره سياسيًا تقليديًا بدأ حياته في مؤسسات الدولة. وقد سجلت جلسة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أن الشرع قاتل سابقًا مع القاعدة في العراق، ثم قطع علاقته بتنظيم «الدولة الإسلامية» وبالقاعدة، لكن تجربة «هيئة تحرير الشام» في إدلب ظلت مرتبطة بمخاوف من السلطوية وقمع المعارضين والتضييق على الأقليات والنساء والصحفيين 5.
هذه الخلفية تجعل الديمقراطيين أكثر ميلًا إلى مراقبة الأفعال لا الاكتفاء بخطابات الاعتدال. فبالنسبة إليهم، تغيير الاسم أو حل الهيئة أو لقاء الرئيس الأمريكي لا يكفي لإثبات حدوث تحول سياسي عميق.
ثانيًا: حماية الأقليات ستكون بوابة العلاقة
سيضع الديمقراطيون ملف العلويين والدروز والمسيحيين والأكراد في مقدمة تعاملهم مع دمشق. وهذا ليس موقفًا نظريًا؛ فقد شهدت سوريا خلال المرحلة الانتقالية أعمال عنف طائفية وتوترات في مناطق الأقليات، كما أثارت علاقة الحكومة المركزية بقوات سوريا الديمقراطية مخاوف تتعلق بالتمثيل والحقوق المحلية 6.
وفي فبراير/شباط 2026، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الجمهوري برايان ماست، إن أعمال العنف ضد الدروز والأكراد والعلويين تمثل «خطوات في الاتجاه الخطأ»، وإن الشرع «لا يملك شيكًا على بياض» من الولايات المتحدة 7. وإذا كان هذا القلق موجودًا داخل الحزب الجمهوري نفسه، فمن المتوقع أن يحوله الديمقراطيون بعد توليهم رئاسة اللجان إلى ملف رقابي دائم.
ثالثًا: شكل الحكم سيهمهم بقدر أهمية الأمن
يرى الديمقراطيون أن استقرار سوريا لا يتحقق بمجرد فرض سلطة مركزية قوية. فالمطلوب، في نظرهم، أن تكون هذه السلطة مقبولة لدى مختلف المكونات وأن تخضع لقيود مؤسسية.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن الإعلان الدستوري الانتقالي منح الرئيس صلاحيات واسعة على الأمن والوزارات والقضاء وتشكيل الحكومة، وأن الانتخابات الانتقالية جرت بطريقة أبقت تأثيرًا كبيرًا للرئاسة والدوائر الموالية لها، مع تمثيل محدود للنساء والأقليات 8.
وهنا سيظهر السؤال الديمقراطي بوضوح: هل يبني الشرع دولة جديدة، أم يعيد إنتاج حكم مركزي يختلف عن نظام الأسد في الاسم والوجوه فقط؟
الديمقراطيون ليسوا مع عودة العقوبات تلقائيًا
قد يبدو من السهل وصف موقف الديمقراطيين بأنه رغبة في تشديد العقوبات على دمشق، لكن هذا الوصف غير دقيق. فالسيناتورة الديمقراطية جين شاهين قادت جهودًا لإلغاء عقوبات «قانون قيصر»، واعتبرت أن العقوبات التي فُرضت في عهد الأسد أصبحت بعد سقوطه عائقًا أمام إعادة الإعمار والاستثمار والاستقرار. كما ربطت رفع العقوبات بمنع عودة «داعش» وتقليص نفوذ إيران وروسيا 9.
لكن الديمقراطيين يريدون أن يكون رفع العقوبات مشروطًا وقابلًا للمراجعة. أي أنهم قد لا يعيدون العقوبات الشاملة التي تضر بالسوريين، لكنهم سيطالبون بآليات تستهدف المسؤولين عن الانتهاكات، وبشروط على التمويل والاستثمار والتعاون الأمني، وبإبلاغ منتظم للكونغرس حول أداء الحكومة السورية.
بعبارة أخرى، لن تكون سياستهم: «أغلقوا الباب أمام سوريا»، بل: افتحوا الباب، لكن ضعوا كاميرات مراقبة وأقفالًا إضافية.
الملفات السبعة التي سيضعها الكونغرس الديمقراطي أمام دمشق
1. العقوبات والاستثمار
بعد إلغاء الجزء الأكبر من العقوبات، سيبحث الديمقراطيون ما إذا كان ينبغي فرض شروط جديدة على الاستثمارات الكبرى وإعادة الإعمار، خصوصًا إذا استفادت منها جهات مرتبطة بالسلطة أو فصائل مسلحة. وقد لا يملكون رغبة في خنق الاقتصاد السوري، لكنهم سيحاولون منع تحول الإعفاءات إلى مكافأة سياسية بلا مقابل.
2. حقوق الأقليات والمحاسبة
سيطلب الكونغرس تقارير عن أحداث العنف والانتهاكات، وعن المسؤولين الذين حوسبوا أو لم يحاسبوا. وستصبح حماية الأقليات معيارًا للحكم على الحكومة السورية، لا مجرد بند دبلوماسي في البيانات الرسمية.
3. الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية
لن يقبل الديمقراطيون بسهولة أن تؤدي ترتيبات دمشق مع أنقرة إلى تهميش الأكراد أو تفكيك قوات سوريا الديمقراطية دون ضمانات. فهذه القوات كانت شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في قتال «داعش»، ولذلك سيطالب نواب وشيوخ ديمقراطيون بضمانات واضحة قبل أي ترتيبات أمنية نهائية 6.
4. مكافحة الإرهاب والسجون
ستسأل واشنطن: هل تستطيع دمشق منع عودة «داعش»؟ هل ستتعاون في حماية السجون والمخيمات؟ وهل ستمنع القاعدة والجماعات المرتبطة بإيران من استخدام الأراضي السورية؟ هذه النقطة ستجمع الديمقراطيين والجمهوريين، لكن الديمقراطيين سيطالبون بتوثيق أكبر ومراجعة دورية بدل الاكتفاء بتعهدات سياسية.
5. إسرائيل والجنوب السوري
ستحاول الأغلبية الديمقراطية التأثير في أي ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل، وفي قضايا المنطقة العازلة والضربات والوجود العسكري في الجنوب. ولن تنظر إلى هذا الملف باعتباره شأنًا أمنيًا إسرائيليًا فقط، بل ستربطه بسيادة سوريا وحماية المدنيين ومنع اندلاع جولة جديدة من الصراع.
6. نفوذ مبعوث ترامب والصفقات الاقتصادية
سيخضع المبعوث الأمريكي توم باراك والاتفاقيات الاقتصادية التي روج لها لتدقيق مكثف، خصوصًا إذا تضمنت مصالح لشركات أو مستثمرين مرتبطين بأطراف سياسية. وقد تحاول لجان الكونغرس معرفة ما إذا كان الانفتاح على دمشق يخدم المصلحة الأمريكية فعلًا أم يتحول إلى شبكة صفقات تسبق بناء المؤسسات.
7. علاقة دمشق بروسيا والصين وإيران
لن يكتفي الديمقراطيون بسؤال الشرع عن علاقته بإيران. بل سيراقبون أيضًا علاقاته بروسيا والصين، واستخدام الموانئ والقواعد والطاقة والاتصالات، وما إذا كانت سوريا تتحول إلى مساحة نفوذ جديدة لمنافسين للولايات المتحدة.
هل يستطيع الديمقراطيون عرقلة انفتاح ترامب؟
يستطيعون إبطاءه وتقييده ومراجعته، لكن ليس من المؤكد أنهم يستطيعون إلغاءه بالكامل. فالرئيس يحتفظ بسلطات تنفيذية واسعة في الاعتراف الدبلوماسي، وتوجيه وزارة الخارجية، وتطبيق أجزاء من سياسة العقوبات. كما أن إلغاء العقوبات التي أقرها الكونغرس أو فرض عقوبات بديلة يحتاج في بعض الحالات إلى مسارات تشريعية معقدة.
لكن الديمقراطيين يملكون ما هو أكثر تأثيرًا من بيان سياسي: يملكون القدرة على جعل العلاقة مع دمشق ملفًا يوميًا تحت المجهر. ويمكنهم استدعاء المسؤولين، طلب السجلات، ربط المساعدات بشروط، وتأخير التمويل أو فرض تقارير على الإدارة. كما أن أي تصعيد كبير أو تراجع في حقوق الأقليات سيمنحهم ذريعة سياسية لتشكيل تحالف مع جمهوريين متشككين.
وهذا هو سبب أهمية تصريحات ماست، الجمهوري، الذي قال إن رفع عقوبات قيصر كان مبررًا بعد سقوط الأسد، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة تنتظر أفعالًا لا «كلمات فارغة» 7. فالديمقراطيون لن يحتاجوا إلى إقناع جميع الجمهوريين برؤيتهم؛ يكفي أن يجدوا عددًا من الجمهوريين الذين يشاركونهم القلق من الإرهاب أو الفوضى أو الانتهاكات.
الرسالة إلى أحمد الشرع
الرسالة التي ستصل إلى دمشق بعد يناير/كانون الثاني 2027 هي أن بناء علاقة مع واشنطن لا يمكن أن يعتمد على البيت الأبيض وحده. قد يفتح ترامب الباب، لكن الكونغرس الديمقراطي سيقرر إلى حد كبير مدى اتساع الممر الذي تستطيع سوريا أن تسير فيه.
وسيقول الديمقراطيون للشرع، عمليًا: نعرف أنكم أسقطتم الأسد، ونعرف أنكم تواجهون خطر «داعش» وإيران والفوضى، لكن ذلك لا يمنحكم تفويضًا مفتوحًا. نريد أن نرى دولة تحمي مواطنيها، ومؤسسات لا تخضع لشخص واحد، ومحاسبة لا تتوقف عند الخصوم، وترتيبات أمنية لا تلغي الأكراد أو تقلق الأقليات.
الخلاصة
سيكون تعامل الديمقراطيين مع أحمد الشرع حذرًا، لكنه ليس عدائيًا بالضرورة. هم لا يريدون إعادة سوريا إلى العزلة والعقوبات الشاملة، ولا يريدون في الوقت نفسه أن تتحول الإطاحة بالأسد إلى شرعية مجانية لسلطة مركزية جديدة ذات ماضٍ جهادي.
الفرق بعد انتخابات 2026 أن إدارة ترامب ستظل قادرة على دفع سياسة الانفتاح، لكن عليها أن تتعامل مع كونغرس ديمقراطي يريد الأدلة والضمانات والتقارير. وبالنسبة إلى دمشق، لن يكون التحدي أن تكسب رضا ترامب فقط، بل أن تقنع معارضي ترامب داخل الكونغرس بأن أحمد الشرع أصبح فعلًا رجل دولة، لا قائد فصيل مسلح يرتدي خطابًا دبلوماسيًا.
لذلك يمكن تلخيص المرحلة المقبلة بجملة واحدة: الديمقراطيون لن يغلقوا الباب أمام الشرع، لكنهم سيقفون عنده طويلًا، ويسألون قبل السماح له بالعبور: ماذا فعلتم لحماية السوريين؟


















