"شو بدهم يقولوا عنّا؟".. السؤال الذي يحكم حياتنا

كتبت شيرين قسوس
ماذا لو كان أخطر سجن هو ذلك الذي لا يحتاج إلى قضبان، لأن الإنسان يحمل سجانه في داخله؟ يكفي أن يتعلم منذ الصغر أن ينظر إلى نفسه بعين الآخرين، وأن يحسب ثمن كل اختلاف قبل أن يجرؤ على الاختيار. عندها لا تعود الوصاية قرارًا يأتي من الخارج، بل تتحول إلى صوت يسكن الداخل، يخبر الإنسان بما ينبغي أن يكونه، وما يجب أن يخشاه، وما عليه أن يتجنبه كي يبقى مقبولًا. وفي المجتمع الأردني، حيث يحتل الانتماء والأسرة والعلاقات الاجتماعية مكانة عميقة، تبرز معركة صامتة بين حاجة الإنسان إلى الجماعة وحاجته إلى ألا يضيع داخلها.
فالإنسان لا يدخل العالم حاملًا تعريفًا نهائيًا لذاته، وإنما يتشكل عبر أفعاله ومواقفه واختياراته وما يقبله من مسؤوليات. قد لا يختار نقطة البداية، لكنه يملك، في حدود واقعه، أن يحدد موقفه منها. ولهذا فالحرية ليست امتيازًا مريحًا، بل مسؤولية ثقيلة؛ إذ قد تفسر الظروف كثيرًا من حياة الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تختار كل شيء بالنيابة عنه. والتخلي عن هذه المسؤولية ليس خلاصًا من العبء، بل تنازلًا عن حق الإنسان في أن يصوغ حياته.
لكن السلطة الاجتماعية لا تحتاج دائمًا إلى أوامر مباشرة. يكفي أن يعرف الإنسان مسبقًا ما الذي سيقال عنه إذا خرج عن المألوف. عندها تصبح نظرة الآخرين قوة خفية، ويتحول القبول الاجتماعي إلى معيار تتسلل أحكامه إلى القرارات الشخصية. وقد تبدأ الوصاية من نصيحة صادقة أو خوف مشروع، لكنها تنقلب إلى عبء حين يصبح الحرص مبررًا للتدخل، ويتحول الحب إلى ذريعة للمراقبة، ويعامل الاختلاف كأنه تهديد للجماعة.
والأخطر أن القيد، مع الوقت، لا يبقى خارج الإنسان. يتعلم الفرد أن يراقب نفسه بنفسه، فيمنع عن نفسه ما لم يمنعه أحد، ويتراجع قبل أن يُرفض، ويختار الطريق الآمن قبل أن يسأل إن كان طريقه حقًا. عندها لا يحتاج المجتمع إلى أن يفرض عليه قيدًا؛ فقد أصبح القيد جزءًا من وعيه.
ومن هنا يولد القلق. ليس القلق مجرد خوف من المستقبل، بل ارتباك الإنسان أمام حقيقة أنه لا يملك معنى جاهزًا يختبئ خلفه، ولا يقينًا يضمن له أن اختياره صائب. غير أن القلق نفسه يكشف إمكان الحرية؛ لأنه يضع الإنسان أمام غياب المعنى الجاهز، ويدفعه إلى أن يقرر ما الذي يستحق أن يعيش من أجله. فالمعنى لا يُمنح للإنسان مكتملًا، بل يتشكل فيما يختاره ويلتزم به. وحين يهرب من هذا العبء إلى ما يريده الآخرون، قد يكسب طمأنينة مؤقتة، لكنه يخسر شيئًا أعمق: الإحساس بأن حياته تخصه.
ولهذا لا تكمن المشكلة في أن يعيش الإنسان وفق قيم مجتمعه، بل في أن يتبنى تلك القيم دون أن يفحصها، وأن يخلط بين الاقتناع والخوف، وبين الانتماء والتبعية. أن يكون الإنسان ابنًا لمجتمعه لا يعني أن يكون نسخة منه. فالانتماء الذي يطلب محو الفرد يتحول من رابطة إنسانية إلى أداة للضبط.
وتظهر المسألة بحدة أكبر في العلاقات. فالإنسان يحتاج إلى الحب، لكنه لا يحتاج إلى أن يدفع ثمنه بالتنازل عن ذاته. والقرب الحقيقي لا يقوم على امتلاك الآخر، والاهتمام لا يحتاج إلى مراقبته، والاختلاف لا يعني الخيانة. أن تحب إنسانًا يعني، في أحد أعمق معانيه، أن تعترف بأنه ليس ملكًا لك، وأن حياته ليست مجالًا مفتوحًا لإرادتك.
ومن هنا تصبح الحرية مسألة أخلاقية أيضًا. فاختيار الإنسان لا يعفيه من مسؤولية أثره في الآخرين، كما أن امتلاك الآخرين لقيم أو معتقدات لا يمنحهم حق مصادرة حياة الفرد. الحرية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشاء، بل أن يتحمل نتائج اختياراته، وأن يعترف في الوقت نفسه بحق غيره في أن يختار حياته ويتحمل نتائجها.
والمجتمع الأكثر تماسكًا ليس الذي يفرض التشابه، بل الذي يتسع للاختلاف دون أن يحوله إلى تهديد. والأسرة لا تفقد دورها حين تتوقف عن اختيار حياة أبنائها، بل يصبح دعمها أكثر نضجًا حين تمنحهم الثقة إلى جانب النصيحة، وتترك لهم مساحة التجربة والخطأ وتحمل المسؤولية.
قد لا تكون المشكلة في أن أبواب السجن مغلقة، بل في أن السجين تعلّم ألّا يمد يده إلى المقبض. وحين تصبح نظرة الآخرين جدارًا، والخوف قفلًا، والامتثال مفتاحًا زائفًا للأمان، يغدو السجن كاملًا من دون قضبان. لذلك تبدأ الحرية في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن القيد الذي يحكم حياته لم يعد خارجَه، وأن أول خطوة إلى الخروج ليست كسر الباب، بل أن يتوقف عن إغلاقه على نفسه. عندها فقط يستعيد حقه في أن يختار، وفي أن يخطئ، وفي أن يصنع من حياته معنى لا يحتاج إلى إذن أحد.


















