م. خالد بدوان يكتب : ماذا تغيّر في صورة وزير الداخلية؟

✍️ المهندس خالد بدوان السماعنة
ليس غريباً أن يتغير رأي الصحافة في مسؤول. فالصحافة ليست عقد زواج، ومن حق الكاتب أن يغيّر رأيه متى تغيّرت الوقائع أو ظهرت معطيات جديدة.
لكن الغريب قليلاً أن تتغير الصورة نفسها بسرعة، بينما تبدو الوقائع التي صنعتها هي ذاتها تقريباً.
وهنا، لا بد من السؤال بهدوء، ومن دون خصومة مع أحد: ماذا تغيّر في صورة وزير الداخلية مازن الفراية حتى انتقل الخطاب الإعلامي حوله، خلال فترة قصيرة، من صورة الوزير الميداني صاحب الملفات الثقيلة إلى صورة الوزير الذي يُقال إنه انشغل بما هو خارج صميم وزارته؟
السؤال ليس دفاعاً عن شخص، ولا هجوماً على مؤسسة إعلامية. هو مجرد محاولة لفهم التحول.
ففي وقت سابق، كان الحديث عن الفراية يتضمن عبارات من نوع: رجل دولة، وزير يعرف «الطابق»، وزارة تتجاوز مفهوم حفظ الأمن التقليدي، ودور يتصل بالاستثمار والتنمية والإدارة والأمن الوطني.
واليوم، أصبح لعب كرة القدم مثلاً دليلاً يُستشهد به على أن الوزير ربما اقترب أكثر مما ينبغي من اختصاص وزارة الشباب!
وهنا يمكن للمرء أن يبتسم قليلاً.
فلو كانت كرة القدم معياراً لتحديد اختصاص الوزراء، لاحتجنا قريباً إلى تشكيل حكومة من لاعبي المنتخب الوطني: واحد للداخلية، وآخر للخارجية، وحارس مرمى للمالية، ومدرب لرئاسة الوزراء... مع الاستعانة بتقنية الفيديو عند تشكيل مجلس الوزراء.
لكن بعيداً عن المزاح، تبقى المسألة جدية.
فالوزير الذي يذهب إلى الميدان ويتابع أزمة في جسر الملك حسين، يمكن أن يُنتقد على طريقة إدارته للملف أو على النتائج. لكن مجرد وجوده في الميدان لا يمكن أن يكون دليلاً بذاته على استعراض إعلامي.
والوزير الذي يتحدث عن اكتظاظ مراكز الإصلاح بنسبة كبيرة يمكن أن يُسأل عن أسباب المشكلة وخطة معالجتها ونتائج الإجراءات المتخذة. وهذا سؤال مشروع ومهم.
أما اعتبار الحديث عن السجون شأناً لا يعني المواطن، فهنا يبدو السؤال أكبر من الوزير نفسه: إذا كان المواطن لا يعنيه أن تكون مراكز الإصلاح مكتظة، وأن تُناقش بدائل التوقيف، وأن تُدار منظومة التوقيف والإصلاح بكفاءة، فما الذي يعنيه تحديداً؟
ثم هناك الجسر.
من الطبيعي أن يسأل الإعلام الوزير عن أزمة جسر الملك حسين، ومن الطبيعي أن يذهب الوزير إلى المكان ويتابع المشكلة. والأكثر طبيعية أن يُطلب منه تفسير ما يحدث، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطنين ينتظرون لساعات على معبر حدودي.
قد نختلف مع الوزير في تفسير المشكلة، وقد نطالبه بنتائج أسرع، وقد ننتقد أداء الوزارة إن أخفقت.
لكن تحويل المتابعة الميدانية نفسها إلى تهمة يحتاج إلى شيء أكثر من الصور.
فالوزير الذي لا يذهب إلى الميدان يُقال له: لماذا لا تذهب؟
والوزير الذي يذهب إلى الميدان يُقال له: لماذا تصطحب الإعلام؟
والوزير الذي يتحدث يُقال له: لماذا تتحدث؟
والذي يصمت يُقال له: لماذا لا توضح؟
وبهذه الطريقة قد نصل إلى وزير مثالي: لا يذهب، ولا يتحدث، ولا يظهر، ولا يجيب... وفي المقابل يكون أداؤه ممتازاً في كل الملفات. وهي وصفة حكومية ممتازة، باستثناء أنها تصلح فقط في جمهورية الخيال.
المسألة إذن ليست في أن نرفع الفراية فوق النقد. بالعكس.
وزير الداخلية من أكثر المسؤولين الذين يجب أن يكونوا تحت المجهر.
لكن النقد المهني يبدأ من الوقائع، ثم ينتقل إلى الأداء، ثم إلى النتائج. أما الانتقال من صورة الوزير في فعالية رياضية إلى استنتاج أنه «يقزّم» منصب وزير الداخلية، فهو يحتاج إلى جسر منطقي أطول قليلاً من جسر الملك حسين.
والأهم أن من حق الإعلام أن يسأل: هل أحسن الوزير إدارة الملف؟
لكن من حق القارئ أيضاً أن يسأل الإعلام: هل تغيّر الملف، أم تغيّرت زاوية النظر إليه؟
وهذا سؤال مشروع تماماً.
قبل أشهر، كان حضور الوزير في الميدان يُقرأ باعتباره حضوراً تنفيذياً ومتابعة مباشرة.
اليوم، أصبح الحضور نفسه قابلاً للقراءة باعتباره استعراضاً.
قبل أشهر، كان اتساع مفهوم وزارة الداخلية ليشمل الأمن والتنمية والإدارة والاستقرار الاجتماعي يُقدم بوصفه تطوراً في مفهوم الوزارة.
واليوم، يبدو أن الظهور الاجتماعي والرياضي يُستخدم كقرينة على الابتعاد عن جوهر المنصب.
لا بأس.
لكن إذا كانت المعايير قد تغيرت، فمن المفيد أن نعرف متى تغيّرت ولماذا.
وهنا تحديداً لا نحتاج إلى خصومة مع أحد، ولا إلى نظرية مؤامرة، ولا إلى البحث عن «يد خفية» خلف كل مقال.
ربما يكون الأمر مجرد اختلاف في الرأي.
وربما تكون هناك معلومات جديدة لم تصل إلى القارئ.
وربما يكون الوزير نفسه قد غيّر أسلوبه.
وربما يكون الإعلام قد غيّر زاوية النظر.
وكل هذه احتمالات مشروعة.
لكن الاحتمال الذي يستحق الاستبعاد هو أن يصبح الشيء نفسه جيداً عندما نمدحه، وسيئاً عندما ننتقده، من دون أن تتغير الوقائع بين الحالتين.
في النهاية، مازن الفراية ليس فوق النقد، ووزارة الداخلية ليست فوق المساءلة.
لكن أيضاً، وزير الداخلية ليس مطالباً بأن يعيش داخل مبنى الوزارة حتى يثبت أنه وزير داخلية.
من حقه أن ينزل إلى الشارع، وأن يتابع المعابر، وأن يناقش السجون، وأن يتعامل مع المحافظات، وأن يظهر بين الناس، وحتى أن يلعب كرة القدم إذا وجد وقتاً لذلك.
المعيار الحقيقي أبسط بكثير:
هل تُدار الملفات بكفاءة؟
هل تتحسن النتائج؟
هل تُحترم سيادة القانون؟
هل يشعر المواطن بتحسن ملموس؟
إذا كانت الإجابة سلبية، فلن يحتاج الإعلام إلى كرة قدم كي ينتقد الوزير.
وإذا كانت الإجابة إيجابية، فلن تجعل صورة في ملعب أو جولة ميدانية الوزير أقل مهنية.
أما انتقال البوصلة الإعلامية بسرعة من الإشادة إلى التشكيك، فهذا بحد ذاته يستحق سؤالاً هادئاً لا اتهاماً صاخباً:
*ماذا تغيّر؟ الوزير... أم زاوية الكاميرا؟*


















