أيقونة الأغوار.. حين يصبح الصوت تهمة

كتبت شيرين قسوس
اعتُقلت نبيلة الحشوش، ثم رُفضت كفالتها، وكان ذنبها كلماتٍ نشرتها احتجاجًا على استملاك أرضها. هي لا تتحدث عن قضية غريبة عنها، بل عن أرض تقول إنها ملكها، وعن قرار ترى أنه ينتزع حقها. ومن يُسلب ما يملك يحقّ له أن يغضب وأن يرفع صوته، وعلى الدولة حينها أن تتحلى بالاتزان لا بالقسوة.
وُضع قانون الجرائم الإلكترونية، كما يُقال، لمواجهة جرائم حقيقية في الفضاء الرقمي، وهذه حاجة لا ينكرها أحد. لكن النص إذا اتسع بلا ضابط فقد معناه، وعجز المواطن عن معرفة أين تنتهي حرية التعبير وأين تبدأ الجريمة. وحين يغيب الحدّ الواضح، يصبح كل منشور مشروع اتهام، وكل غاضب متهمًا مؤجلًا.
ولا أظن المقارنة بالأحكام العرفية مبالغة. قد يختلف الشكل القانوني، لكن الأثر في الناس واحد: صدرٌ يضيق ولسانٌ يقصر. الأحكام العرفية تغلق الأبواب بقرار معلن، أما القانون الفضفاض فيغلقها بالخوف، فيزن الناس كلماتهم قبل أن يطالبوا بحقوقهم. وهو سيفٌ مسلّط على الرقاب، وأول من يشعر ببرده المواطن الذي ينادي بالحق، لا من يعتدي على حقوق الآخرين.
والمفارقة موجعة: نقول للمواطن احتكم إلى القانون واسترد حقك، ثم نشهر القانون نفسه في وجهه حين يتحدث عن هذا الحق. وما يتعلمه من يرى أرضه تُنتزع أن الاحتجاج صار مخاطرة، وأن الصمت أسلم من المطالبة.
أما التوقيف ورفض الكفالة فاستثناءان لا يقومان على الانطباع. التوقيف ليس إدانة، والمتهم بريء حتى يصدر حكم قضائي بحقه. ومن حق المجتمع أن يستوضح مبررات حبس سيدة بسبب ما نشرته قبل أن يقول القضاء كلمته، وأن يستوضح سبب عجز الدولة عن مواجهتها بغير القضبان. وهذا حق مشروع لا يمسّ هيبة القضاء، وإنما يمارس مساءلة كل أداة تملكها الدولة.
الدولة المقتدرة لا ترتجف من غاضب، ولا يلزمها تكميمُ فمه لتبرهن على متانتها. إنها تعارض الحجة بالحجة، وتقابل الدعوى بالمستند والقرار، وتدع القضاء يقول كلمته. أما كتمُ الصوت قبل الإصغاء إليه فدأبُ من يرتعد من أن يُسمع.
وقضية نبيلة الحشوش لا تخصها وحدها. إنها مرآة لكل مواطن قد يقف غدًا أمام قرار يمسّ أرضه أو رزقه أو بيته، فيتردد قبل أن يتكلم خشية أن تصير كلماته لائحة اتهام. القانون وُجد ميزانًا يُنصف لا عصًا تُرهب، وإن صار مصدر خوف للناس، فلن يبقى للمواطن من يحميه منه.


















