سند عكاش الزبن :- " قبل ان نختلف على الرواية : حقائق عن احداث وقعت في عشرينيات القرن الماضي."

ليس من العدل أن نستدعي التاريخ الذي وحّد آباءنا لنختلف نحن على روايته، ولا أن نحوّل دماء رجال خرجوا يومًا من مضارب شتى للدفاع عن الديار إلى حساب للفضل بين أحفادهم بعد مئة عام.
فالغزوات التي شنّها من سُموا ب(لخوين الوهابيين ) القادمين من نجد في عشرينيات القرن الماضي لم تسأل الفارس الأردني يومها من أي عشيرة جاء، إذ وضعت الجميع أمام خطر واحد، فكان المصاب واحدًا، وكانت الفزعة واحدة، وكان الانتصار في النهاية للأرض وأهلها.
من هذه الزاوية سأتناول مقتطفًا من حديث الأخ الشيخ كريّم الحويان مؤخرا عن تلك الأحداث، وما كان للشهيد الشيخ بشير الحويان من موقف وتضحية فيها.
ولأنني لم أشاهد اللقاء كاملًا، فلا يصح أن أنسب إلى الشيخ كريّم ما لم أسمعه منه، لكن ذلك المقتطف ترك لدي انطباعًا بأن مساحة الفضل ضاقت حتى كادت تختصر مشهدًا تاريخيًا واسعًا في عشيرة أو رجل.
وهذا لا ينتقص من الشهيد بشير الحويان، بل إن مكانته تزداد حين يوضع اسمه في موضعه الطبيعي بين رجال نهضوا من جهات شتى حين أصبح الخطر واحدًا.
فالقصة أوسع من سردية فرعية، لأن إمارة شرقي الأردن في مطلع عشرينيات القرن الماضي،كانت حديثة الولادة، محدودة الموارد والقوة العسكرية، ولم تكن حدودها الجنوبية والشرقية قد استقرت بعد.
وفي ذلك الفراغ جاءت غارات الإخوان النجدية محمّلة بدوافع متشابكة، ففيها الطمع بالغنائم والإبل والمراعي، وفيها النزاع على الأرض والحدود ومجالات النفوذ، وفي خلفيتها أيضًا صراع سياسي على مستقبل المنطقة والكيانات الجديدة التي كانت تتشكل فيها.
ومن الإنصاف للتاريخ كذلك ألا نختصر تلك الوقائع في رواية سياسية مبسطة تجعل كل حركة من حركات (الإخوين ) تنفيذًا مباشرًا لإرادة عبدالعزيز بن سعود.
فعلاقة بعض قادتهم به مرت بمراحل من التوافق والخلاف، وانتهى الأمر بسلطان بن بجاد وفيصل الدويش نفسيهما إلى التمرد عليه والدخول معه في صدام عسكري ، ولذلك تبقى قراءة كل حملة في سياقها وزمانها أدق من إسقاط نتائج السنوات اللاحقة عليها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كثيرًا من التفاصيل هو: لماذا كانت قبيلة بني صخر في قلب تلك المواجهات، ولماذا تحملت جانبًا كبيرًا من صدمتها؟ والجواب ترسمه الجغرافيا قبل أن تكتبه الروايات.
فقد امتدت ديار بني صخر ومراعيهم على المحور الطبيعي القادم من وادي السرحان نحو الجيزة والقسطل والبلقاء وعمّان، وكان القادم من الجنوب والجنوب الشرقي يمر في مجالهم قبل أن يبلغ قلب الإمارة ، وظلت إبلهم ثروة البادية الكبرى آنذاك، إلى جانب المواشي والممتلكات،غنيمة مغرية لأي قوة مهاجمة.
لكن العامل الأهم أن بني صخر كانوا منذ السنوات الأولى للإمارة قوة رئيسية مرتبطة بالنظام السياسي الجديد في عمّان، ومن ثم لم يعد استهدافهم مجرد غزو عشائري مألوف طلبًا للغنيمة، بل صار يمس أحد أهم الأسوار الاجتماعية والعسكرية للدولة الناشئة.
وتكشف أحجام الحملات مقدار الخطر، ففي هجوم عام 1922 تقدّر بعض المصادر القوة المهاجمة بنحو ألف وخمسمئة مقاتل، ثم جاء هجوم عام 1924 أشد وأوسع، بقوة تضعها المصادر والوثائق في حدود ثلاثة إلى أربعة آلاف مقاتل، وترفعها بعض التقديرات إلى نحو أربعة آلاف وخمسمئة مقاتل.
ولم تنتهِ الاعتداءات عند ذلك، فقد امتدت عام 1925 إلى بني صخر في مراعيهم بوادي السرحان، ثم كانت المجزرة التي ارتكبها الإخوان النجديون بحق قبيلة بني صخر في منطقة غرايس عام 1928، والتي جاءت بعد انشقاقهم عن ابن سعود، واستشهد فيها جدي الشهيد الشيخ حتمل بن مناور الزبن و الشهداء أعمامي وأكثر من ثمانين آخرين.
ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر دلالة في تلك الأحداث:
ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تتلقَّ ديار بني صخر تلك الصدمة الأولى على الطريق إلى عمّان؟
فقد دفعت القبيلة الثمن من دم رجالها، وسقط في تلك المواجهات فرسان آخرون، من بينهم الشيخ درداح البخيت الفايز، وعشرات غيرهم ممن يستحقون أن تُستعاد أسماؤهم من الوثائق والسجلات، وفاءً لذكرى رجال دفعوا حياتهم وهم يذودون عن الديار حين كانت إمارة شرق الأردن في سنواتها الأولى.
ومع ذلك، فإن الاقتصار على بطولة بني صخر وحدهم يظلم القصة بالطريقة نفسها التي يظلمها بها من يختصر الفضل في سواهم.
فحين اتسع الخطر جاءت فزعة البلقاء، ونهض رجالها لنصرة جيرانهم ، وتراجعت أمام الخطر ما خلّفته السنين من خصومات ومنافسات.
وهنا لا بد من الإشارة إلى الشيخ منور الحديد، الذي كان مع أشقائه شاهر ونوري في طليعة رجالات البلقاء الذين لبّوا النداء لصد اعتداء قوات الإخوين الوهابيين على مضارب بني صخر في الطنيب واللبن والقسطل وأم العمد.
كما لعب الشيخ حديثة الخريشة دورًا استراتيجيًا في تأمين التخوم الشرقية وبادية الشام والاتصال بإدارة الإمارة في عمّان.
ويضاف إلى ذلك ما قدمه فرسان قبيلة العدوان بقيادة الشيخين سلطان العدوان وماجد العدوان، ضمن هبّة عشائرية بلقاوية لصد التوغلات نحو مشارف عمّان، وبمشاركة من فرسان العجارمة وعباد وبني حميدة والدعجة والنعيمات وبني حسن، إضافة إلى قسم من أهالي عمّان وناعور وصويلح ووادي السير ومادبا، الذين قدموا الدعم اللوجستي والسلاح.
وكان بين من قدمتهم البلقاء الشهيد الشيخ بخيت الرقاد والشهيد الشيخ بشير الحويان، وسليمان العيسى القطارنة، وعلي الفارس الشوابكة ، وشهداء من أبناء عشائر الدعجة وبني حميدة وأهالي القرى عمّان .
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الكبرى لتلك الملحمة الأردنية، لأن ما جرى لم يكن مجرد نجاح في صدّ قوة معتدية، بل إن الفزعة نفسها أخذت تكتسب معنى جديدًا.
لقد كانت الفزعة في طبيعتها التقليدية نجدةً للقريب وابن القبيلة والحليف، لكنها اتخذت منحىً آخر أمام الخطر الذي اقترب من عمّان، واتسعت شيئًا فشيئًا لتصبح دفاعًا عن مجال سياسي مشترك، لحماية الأرض وبقاء الإمارة، ولشعور بمصير واحد بدأ يجمع من يعيشون داخل هذا النظام الجديد.
ويمكن القول إن تلك الأحداث أسهمت في تشكيل جانب من ملامح العقد الاجتماعي الأردني الأول الذي رافق تأسيس الإمارة، عقد صنعته الضرورة وكتبه أبناء القبائل في الميدان.
فالإمارة كانت قليلة الجند والموارد، بينما كانت العشائر تملك الرجال والخيل والإبل ومعرفة الأرض ومسالكها، فاكتشف الطرفان، في مواجهة الخطر، أن بقاء أحدهما أصبح متصلًا ببقاء الآخر، إذ تحتاج الإمارة إلى مجتمع يحمي تخومها، وتحتاج العشائر إلى دولة تصون أرضها ومصالحها وتمنحها مظلة سياسية تتجاوز حدود المضارب.
ولم يكن ذلك العقد إلغاءً للعشيرة حتى تقوم الدولة، فقد بقي أبناء العشائر، لكنهم اكتشفوا في الميدان أن وراء اسم العشيرة اسمًا آخر يتشكل، هو إمارة شرقي الأردن .
ومن هنا أيضًا يمكن فهم العلاقة التي ترسخت تدريجيًا بين المجتمع العشائري والقيادة الهاشمية، ممثلة أنذاك بالأمير عبدالله بن الحسين رحمه الله.
فالرجال الذين حملوا بنادق القبيلة دفاعًا عن الديار أصبحوا شيئًا فشيئًا الخزّان البشري والاجتماعي الذي رفد الجيش والأمن والإدارة، وبدأت الفزعة تتحول من قوة ظرفية تستدعيها الغارة إلى ولاء لكيان سياسي يملك جيشًا وحدودًا ومؤسسات.
ولذلك لا أرى حكمة في أن نفتش بعد قرن من الزمن عمّن يستأثر بالنصر. فإذا كان هذا ما صنعته تضحيات الأجداد، فمن الجحود أن نجعله اليوم موضع تنازع، لأن ما وحّد كلمة العشائر وثبّت أعمدة الإمارة ثم الدولة الأردنية لا يجوز أن يكون مثار خلاف بين أبنائه اليوم.
ويحق لنا، نحن أحفاد أولئك الأشاوس، أن نفخر بصمود فرسان قبيلة بني صخر وفضلهم في تحمل الصدمة، ولشهدائهم دم عزيز سُفح على تخوم الدولة وهي في المهد. ومن واجبنا أن نذكر النخوة البلقاوية العربية الأصيلة التي لم تترك الجار وحيدًا حين داهمه الخطر، وبذلك نكرّس تضحية شهداء العشائر الأردنية الذين وحّدتهم أرض الوطن على اختلاف مضاربهم.
إن أبلغ رسالة تُقدمها تلك المرحلة التاريخية إلى الحاضر، وإلى من يتولى اي مسؤولية في الدولة ، هي التذكير بأن الأردن نهض في جانب عزيز من تاريخه، على أكتاف رجال خرجوا من مضاربهم وقراهم يحملون بنادقهم دفاعًا عنه، قبل أن تستقر خرائط البلاد التي روُوا ترابها بدمهم.
ولا بد لكل مسؤول أن يعرف، قبل أن يجلس على الكرسي، أن الدولة قد لا تكافئ أحفاد مؤسسيها ، لكنها يجب ان لا تعاقب تاريخهم بالنسيان ، وبين الامتياز والنسيان يبقى مفهوم واحد يليق بالأردن، هو الوفاء .
سند عكاش حتمل مناور الزبن
















