+
أأ
-

أ.د. محمد الفرجات : حسّان ووزير الصحة يهندسان الصحة المجتمعية؛ منع الأراجيل بالأماكن العامة، ومنع الشيبس بالمدارس

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

قد يبدو منع الأرجيلة في الحدائق والمرافق العامة، ومنع بيع الشيبس في المقاصف المدرسية، قرارين منفصلين. لكنهما في الحقيقة يلتقيان عند فكرة أكبر: أن صحة المجتمع تُبنى قبل المرض، وأن البيئة التي يعيش فيها الإنسان يمكن أن تكون أداة للوقاية أو بوابة للمرض.

من هنا تأتي أهمية التوجيهات الحكومية الأخيرة بقيادة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وقرارات وزارة الصحة؛ فهي تفتح الباب أمام مفهوم أكثر تقدماً للصحة العامة، لا يختزلها في المستشفيات والأدوية، بل يتعامل مع المدرسة والحديقة والشارع والمقصف باعتبارها جميعاً جزءاً من المنظومة الصحية.

فالحديقة العامة مكان للعائلات والأطفال والرياضة والتنفس والحياة. وليس من المنطقي أن تتحول إلى مساحة يتعرض فيها من جاء للاستجمام إلى دخان الأرجيلة رغماً عنه.

ولطالما كان مؤلماً أن نرى شباباً وفتيات ونساءً يجلسون بالأراجيل في الساحات والأماكن العامة، حتى كادت تتحول إلى صورة مألوفة في حياتنا اليومية. والمشكلة ليست في محاكمة الأشخاص أو التدخل في خياراتهم الخاصة، وإنما في أن يصبح التدخين سلوكاً اجتماعياً طبيعياً أمام الأطفال واليافعين، وأن يُفرض دخانه على الآخرين في فضاء عام يفترض أن يكون مشتركاً وآمناً.

كما أن انتشار الأرجيلة بهذه الصورة الواسعة ليس من العادات التي ينبغي أن نقدمها باعتبارها جزءاً أصيلاً من هويتنا الاجتماعية أو تقاليدنا. ما هو شائع ليس بالضرورة جزءاً من التراث، وما هو مألوف ليس بالضرورة صحياً أو جديراً بالاستمرار.

أما المدرسة، فقصتها أكثر حساسية.

فالطفل لا يختار بيئته المدرسية ولا يملك دائماً النضج الكافي لمقاومة كل ما يعرض أمامه. ولذلك فإن تنظيم ما يباع في المقصف ليس ترفاً ولا تدخلاً في حرية الاختيار؛ بل هو جزء من مسؤولية المدرسة والدولة تجاه صحة الطفل.

ومن هنا تأتي أهمية منع الشيبس في المقاصف المدرسية، ضمن سياسة أوسع لتنظيم الأغذية والمشروبات المتاحة للطلبة،،، وننتظر أيضا منع ما يدعى بمشروب الطاقة. 

ولا ينبغي، بالطبع، أن نختزل السمنة أو الأمراض المرتبطة بالغذاء في كيس شيبس. فالمعادلة أكبر: غذاء، نشاط بدني، نمط حياة، أسرة، تعليم، بيئة حضرية، وعادات تتشكل منذ الطفولة.

لكن السياسات الذكية تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يمكن للدولة التأثير فيها مباشرة.

وإذا نجحت هذه السياسات في الحد من بعض عوامل الخطورة، فإن فائدتها لا تتوقف عند الطفل اليوم. نحن نتحدث عن جيل سيكبر بجسم أكثر صحة ووعي أكبر، وعن أمراض يمكن تقليل احتمالاتها، وعن أسر تتحمل معاناة أقل، وعن نظام صحي قد يواجه أعباء أقل على المدى الطويل.

وهنا يظهر البعد الاقتصادي للوقاية.

كل دينار يُستثمر في الوقاية لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنفاقاً صحياً فقط؛ فالوقاية الجيدة قد تعني مستقبلاً كلفة علاجية أقل، وإنتاجية أعلى، وأيام عمل أقل ضياعاً، وجودة حياة أفضل.

لكن الأهم من المال هو الإنسان نفسه.

نحن بحاجة إلى جيل قوي صحياً، لا لأن الدولة تريد تقليل فاتورة العلاج فقط، وإنما لأن صحة الإنسان هي أحد أهم أشكال رأس المال الوطني.

وهنا تتجاوز القضية حدود الصحة إلى بناء الوعي.

عندما يتعلم الطفل أن ليس كل ما يباع مفيداً، وأن ليس كل ما هو شائع جديراً بالتقليد، وأن الهواء النظيف حق مشترك، وأن ممارسة الرياضة جزء من الحياة الطبيعية، فإننا نزرع لديه قدرة أكبر على التمييز بين الغث والسمين.

ومع الزمن، يمكن لهذا الوعي أن يتحول إلى نهضة في العقل الجمعي: مجتمع لا ينتظر دائماً أن تقول له الدولة ماذا يفعل، بل يصبح أكثر قدرة على اختيار ما ينفعه ورفض ما يضره.

هذه هي النقلة التي يجب أن نطمح إليها.

لا نريد دولة تمنع فقط؛ نريد دولة تهيئ البيئة التي تجعل السلوك الصحي أسهل وأكثر جاذبية.

مدارس تقدم غذاءً أفضل.

حدائق خالية من التدخين.

مساحات آمنة للمشي والرياضة.

مدن تشجع الحركة لا الخمول.

إعلام يرفع قيمة الصحة بدلاً من تطبيع السلوكيات الضارة.

وأسرة ومدرسة تعملان معاً على بناء العادات الصحية منذ الصغر.

ومن هنا، فإن مسؤولية الصحة لا تقع على وزارة الصحة وحدها. إنها مسؤولية التربية والتعليم والبلديات والإدارة المحلية والبيئة والإعلام والتخطيط الحضري، بل مسؤولية كل جهة تستطيع أن تؤثر في البيئة التي يعيش فيها الإنسان.

والأهم أن نجاح هذه القرارات يجب ألا يقاس بعدد المخالفات أو المحال التي جرى ضبطها، وإنما بما تحدثه من تغيير حقيقي في السلوك والصحة.

هل ينخفض التدخين بين اليافعين؟

هل تتحسن العادات الغذائية؟

هل يزداد النشاط البدني؟

هل تصبح الأماكن العامة أكثر ملاءمة للأطفال والعائلات؟

وهل نرى بعد سنوات جيلاً أقل عرضة للأمراض المرتبطة بأنماط الحياة؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تتابعها الحكومة وتقيسها.

لقد اعتدنا أن نفكر في الصحة من نهاية الطريق: مريض، طبيب، مستشفى، دواء.

أما التفكير الحديث فيبدأ من أوله: كيف نمنع الإنسان من الوصول إلى تلك المرحلة إن كان بإمكاننا ذلك؟

ولذلك فإن منع الأرجيلة في الأماكن العامة وتنظيم الغذاء في المدارس ليسا مجرد قرارين إداريين. إنهما، إذا أُحسن تنفيذهما وتطويرهما، جزء من تحول أكبر في فلسفة الدولة تجاه صحة مواطنيها.

فالصحة لا تُصنع في المستشفى وحده.

تُصنع في المدرسة، وفي الحديقة، وفي البيت، وفي الشارع، وفي الثقافة التي نربي عليها أبناءنا.

وحين ننجح في بناء بيئة صحية، فإننا لا نحمي الأطفال والكبار من بعض عوامل المرض فحسب؛ بل نبني جيلاً أقوى، ونخفف أعباء المستقبل، ونرفع قيمة الوعي، ونؤسس لعقل جمعي أكثر قدرة على التمييز بين ما ينفع وما يضر.

وهنا بالضبط تكمن قيمة ما يجري اليوم:

إنها ليست فقط مكافحة للأرجيلة أو للشيبس؛ إنها محاولة لإعادة تعريف ما نعتبره طبيعياً في حياتنا اليومية، وما نريد أن نورثه لأبنائنا.

وهذه بداية حقيقية لهندسة الصحة المجتمعية، وخطوة هامة نحو نهضة مجتمعية ووعي مجتمعي وعقل جمعي إيجابي.