بين ضفتين وجذور لا تموت: الزيتون الفلسطيني ينتصر على الجرافة ليوحد الانقسام

حين يطرق تشرين أبواب الخريف، لا تتفتح مواسم العطاء في جبال عجلون وسهول إربد وروابي السلط والكرك والطفيلة فحسب، بل تمتد الروح ذاتها لتعانق الأرض المحتلة، حيث تطلق فلسطين نداءها السنوي في موسم قطاف الزيتون. هناك، لا يُعد القطاف مجرد طقس زراعي اعتيادي، بل هو ملحمة صمود تتجدد كل عام، وعناق أبدي بين الفلسطيني وأرضه يمشط فيه الخريف أوراق الزيتون الخضراء ليعلن بدء المعركة.
على تلك الأرض، لا تكتفي شجرة الزيتون بمنح ثمارها، بل تقف كحارس أزلي وجندي مجهول، تتحدى أنياب الجرافات الإسرائيلية وزحف المستوطنات التي تحاول عبثاً اقتلاع التاريخ من جذوره. فهي تجسيد حي لروح الفلسطيني المتشبث بترابه، وهي الشجرة ذاتها التي اتخذ منها الشهيد ياسر عرفات رمزاً لقضية، حين وقف أمام العالم أجمع مناشداً: "لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". وما زال هذا الغصن صامداً، يخوض صراعاً وجودياً يومياً ضد محاولات الطمس والمصادرة والتهجير !
وفي خضم واقع سياسي أرهقته الانقسامات، تبرز شجرة الزيتون اليوم كأصدق فصيل وطني يحتفل بـ "انطلاقته" السنوية في موسم القطاف إنها الراية الخضراء النقية والموحدة، التي تسقط أمام جلالها كل الرايات الفصائلية - الحمراء والصفراء والخضراء - التي فرقت الصف ومزقت جسد الوطن الواحد.
الزيتون يعلمنا كيف تندمج الجذور في أعماق الأرض لتثمر غصناً واحداً يتحدى العواصف.
من معاصر الأردن التي تضج بالحياة في هذا الموسم، إلى جبال فلسطين ومدرجاتها، تفوح رائحة الزيت المبارك لتؤكد وحدة الحال والمآل. ولئن كانت نابلس اليوم تعتصر زيتونها لتصنع "صابونها النابلسي" العريق، فإن الأمل الأكبر يبقى في أن تصحو الأمة يوماً لتغسل بهذا الزيت المبارك كل آثار العدوان والاحتلال عن وجه التاريخ.
إنه الزيتون الفلسطيني.. الشاهد الأبدي الذي يعتمر الكوفية، يلوح بغصنه في وجه الطغيان، ويثبت للعالم أن الجذور التي تروى بعرق الصامدين لا تقتلعها آلة عسكرية، بل تظل واقفة.. تقاوم، وتطرح أملاً، حتى بزوغ فجر النصر.














