د. حازم قشوع : هندسة الاشتباك لإعادة ترتيب المشرق

د. حازم قشوع
لم تعد المواجهة في المنطقة محصورة بالصراع الأميركي الإيراني أو بالاشتباك العسكري المباشر، بل باتت جزءاً من هندسة أوسع لإعادة ترتيب المشرق وتحديد مراكز النفوذ فيه. فانتقال الضغط من مضيق هرمز إلى باب المندب، وتداخل أمن البحر الأحمر مع استقرار السعودية واليمن ومستقبل فلسطين، يكشفان عن إعادة تركيب للتوازنات الإقليمية تتجاوز الحسم العسكري إلى صياغة قواعد جديدة للعلاقات والتأثير فلقد
كان هرمز نقطة الضغط الاستراتيجي الأبرز على إيران، نظراً إلى دوره في حركة الطاقة العالمية وتأثيره المباشر في الاقتصاد الدولي. لكن امتداد الاشتباك إلى باب المندب فتح مساراً مختلفاً إذ لم تعد المسألة مرتبطة بممر واحد، بل بشبكة تصل الخليج بالبحر الأحمر، والجزيرة العربية بالمشرق والبحر المتوسط وهذا ما يحول الجغرافيا من إطار للتجارة والطاقة إلى أداة لإدارة الصراع وتوزيع الضغط.
ولا يعني الانتقال من هرمز إلى باب المندب إغلاق جبهة وفتح أخرى، بقدر ما يعكس توسيع الاشتباك لتصبح الممرات البحرية جزءاً من معادلة واحدة سيما وان اضطراب أي ممر ينعكس على التجارة والطاقة والتأمين والنقل، ويفرض أعباء تتجاوز الحدود. ومع تزامن الضغط في الخليج والتوتر في البحر الأحمر، تتوزع كلفة المواجهة على نطاق أوسع، وتتعقد إدارة المصالح الدولية والإقليمية.
في هذا السياق، تكتسب السعودية موقعاً مركزياً، لا لجغرافيتها الممتدة بين الخليج والبحر الأحمر فحسب، بل لثقلها السياسي والاقتصادي. فأمنها يرتبط بالممرات البحرية واستقرار اليمن وتوازنات الخليج، وبقدرتها على منع تحويل مصالحها إلى أوراق ضغط في صراعات تتجاوزها. لذلك فإن توسيع التهديدات نحو أراضيها أو محيطها الحيوي يضيف إلى المواجهة بعداً عربياً وإقليمياً، ويجعل أمن المملكة جزءاً من استقرار المشرق كله.
ولا يصح التعامل مع اليمن كملف محلي منفصل؛ فالساحة اليمنية تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية مع أمن البحر الأحمر وباب المندب. وكلما ازدادت أهمية المواقع المحيطة بالمضيق، ارتفعت قيمة السيطرة عليها أو تهديدها. وقد تتحول الجغرافيا اليمنية، وسط تعدد الأطراف وتشابك المصالح، إلى ساحة تأثير متبادل يمتد إلى السعودية والملاحة الدولية ودول المشرق. غير أن ترابط الجبهات لا يعني إدارتها من مركز واحد، بل يعني أن نتائج كل جبهة قد تؤثر في الأخرى.
هنا تتضح هندسة الاشتباك التى ليست بالضرورة تكون سعياً إلى الحسم في ساحة واحدة، بل إبقاء ساحات عدة تحت الضغط، وتوزيع الأعباء العسكرية والسياسية والاقتصادية بما يدفع الأطراف إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها. فهرمز يضغط على الطاقة، وباب المندب على التجارة، واليمن يفتح باب الاستنزاف، والسعودية تواجه حماية أمنها ومصالحها، فيما تبقى فلسطين عنواناً مركزياً لا ينفصل عنه مستقبل المشرق. وعندما تتصل هذه الملفات، يصبح الاشتباك أداة لإعادة توزيع النفوذ، لا مجرد مواجهة تنتهي بتوقف العمليات.
ولا يتطلب إدخال المشرق في دائرة الاشتباك دخول دوله الحرب مباشرة؛ يكفي أن تتشابك التداعيات مع أمنها واقتصاداتها وحدودها وخياراتها السياسية. فالعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين تقع ضمن فضاء تتقاطع فيه خطوط الأمن والطاقة والنفوذ، وأي تغيير في قواعد الاشتباك قد يعيد ترتيب علاقاته ويفرض واقعاً إقليمياً جديداً. عندها تتحول الضغوط المتفرقة إلى منظومة مترابطة، تتداخل فيها الحدود والممرات والتحالفات.
ولا تنفصل هذه التحولات عن حسابات واشنطن وإسرائيل، ولا عن التوازنات الدولية المرتبطة بأوكرانيا والصين وتايوان. فتوزيع الاهتمام والموارد الأميركية بين هذه الملفات يؤثر في طبيعة الاستجابة لكل أزمة، كما ينعكس أي تحول كبير في الشرق الأوسط على حسابات القوى المنافسة لواشنطن. غير أن المسألة لا تفترض خطة موحدة لهذه الجبهات، بل تقتضي إدراك أن تزامنها يتيح إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات وموازين القوة، ويضع الإقليم ضمن معادلة دولية أوسع.
ويزداد التوقيت حساسية مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، حيث تتقاطع السياسة الخارجية مع الحسابات الداخلية، وقد تسعى الإدارة إلى إظهار قدرتها على إدارة الأزمات وتحقيق نتائج ملموسة. لكن القرار العسكري لا تحسمه الانتخابات وحدها؛ فتكلفة الحرب واحتمال توسعها والقدرة على ضبط تداعياتها تحدد هامش الحركة. وقد يتحول الحسم في جبهة إلى عبء في أخرى، فتواجه القوى الساعية إلى إعادة ترتيب المشهد تعقيدات غير محسوبة.
أما إسرائيل، فقد ترى في التحولات الإقليمية فرصة لإعادة تشكيل بيئتها الأمنية وتوسيع هامش حركتها وفق موازين القوة. لكن فرض الوقائع العسكرية لا يصنع الاستقرار بالضرورة، كما أن إعادة ترتيب العلاقات لا يمكن أن تقوم على تجاوز الحقوق الفلسطينية أو تأجيلها. ففلسطين ليست ملفاً هامشياً، بل محدد أساسي للأمن السياسي والاجتماعي في المشرق، وأي هندسة تتجاهلها ستظل قابلة للاهتزاز مهما بلغت صلابتها الأمنية.
من هنا تبرز أهمية الأردن، بحكم موقعه في قلب المشرق وصلاته المباشرة بأمن السعودية والخليج وفلسطين وسوريا والعراق. وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات الحسين ولي العهد في «ميد 9» دلالة خاصة، لأنها تؤكد أن الأردن لا ينظر إلى أزمات المنطقة بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها مترابطة في آثارها على الأمن والاستقرار والاقتصاد. فالتشديد على ضرورة حماية المنطقة من اتساع الصراع، ودعم مسار سياسي يعالج جذور الأزمات، ينسجم مع الدور الأردني في منع تحويل الممرات والحدود إلى أدوات دائمة لاستنزاف المنطقة. كما أن تأكيده أهمية القضية الفلسطينية ورفض تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني يوضح أن أي إعادة ترتيب للمشرق لا يمكن أن تستقر من دون حل عادل وشامل، يحفظ الحقوق ويصون أمن دول الإقليم.
ولا ينبغي قياس إعادة ترتيب المشرق بقدرة طرف على توسيع نفوذه أو نقل الضغط بين الجبهات، بل بقدرته على تحويل التحولات العسكرية إلى تسويات قابلة للاستمرار. فالأمن لا يُبنى بتعدد الجبهات، والدول لا تستقر بمجرد تبدل خرائط النفوذ، والحسم الذي لا يعالج جذور الصراع قد يصبح مقدمة لجولة جديدة. لذلك تحتاج أي تسوية إقليمية إلى مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات نحو معالجة أسبابها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأمن الدول العربية، واستقرار الممرات الحيوية، واحترام حقوق الشعوب ومصالحها، وهي مبادئ تتقاطع مع ما طرحه الأمير الحسين في «ميد 9» بشأن أولوية العمل السياسي والتعاون الإقليمي في مواجهة التحديات المشتركة.
إن هندسة الاشتباك لإعادة ترتيب المشرق تعني أن المعركة لم تعد على مواقع عسكرية فقط، بل على شكل الإقليم المقبل، وعلى من يحدد قواعده واتجاهاته ومراكز ثقله. وبين هرمز وباب المندب، وأمن السعودية واستقرار الأردن ومستقبل فلسطين، تتكشف معادلة تتجاوز المواجهة المباشرة إلى إعادة رسم المجال السياسي والأمني للمشرق كله. وفي هذا المشهد، يبرز الخطاب الأردني، كما عكسته تصريحات الأمير الحسين في «ميد 9»، بوصفه دعوة إلى الانتقال من إدارة التداعيات إلى بناء ترتيبات إقليمية تقوم على الحوار، واحترام السيادة، وتغليب المصالح المشتركة.
فالحروب قد تعيد توزيع القوة، لكنها لا تصنع السلام تلقائياً.
وما يُرسم في الميدان يظل رهناً بما تقرره الطاولة لان قيمة الحسم لا تقاس بمكاسبه الآنية بل بما يفتحه من أفق لتسوية تحفظ الحقوق، وتضمن أمن الدول، وتعيد الاستقرار إلى المنطقة. عندها فقط تصبح هندسة الاشتباك مدخلاً لإعادة ترتيب المشرق، لا وسيلة لإعادة إنتاج صراعاته بخرائط وأسماء جديدة كما يراد اسقاطه بعد انهاك روادع موانعه
















