بين من دفع ثمن العمل الحزبي سنوات من العمل ومن جاء ليقطف ثماره!

بقلم: د. فوزان العبادي
ليس كل من جلس على كرسي من كراسي القيادات الحزبية أصبح صاحب تاريخ حزبي، وليس كل من حمل لقب حزبي بات مؤهلاً للحديث باسم تجربة لم يعش تفاصيلها، ولم يعرف صعوباتها، ولم يختبر تحدياتها. ثمة فرق كبير بين من جاء إلى العمل الحزبي بعدما أصبحت أبوابه مفتوحة ومساحاته أوسع، وحضوره جزءا من مشروع التحديث السياسي، وبين من اختار هذا الطريق قبل سنوات طويلة، يوم كان الانتماء الحزبي محفوفاً بالمخاوف والمخاطر، وكانت كلمة (حزبي) كافية لإثارة عشرات الأسئلة والشكوك حول ماضيه وحاضره ومستقبله هو وعائلته.
لقد أمضيت من عمري أكثر من ثمانية عشر عاماً في العمل الحزبي، منذ كنت شاباً في مقتبل العشرينيات من عمري .لم أدخل هذا الميدان من بوابة القيادة، ولم أجد أمامي مقعداً محجوزاً أو موقعاً ينتظرني مقابل رزمة من الدنانير او خدمة أقدمها . بل بدأت من القاعدة، وتدرجت في المسؤوليات، وعرفت معنى أن تكون حزبياً في زمن لم يكن فيه العمل الحزبي طريقاً سهلاً نحو الوجاهة أو المناصب. عشنا سنوات كان فيها العمل الحزبي أشبه بالشبح الذي يخشاه كثيرون، وكان إقناع مواطن بالانتساب إلى حزب يحتاج إلى شجاعة وصبر وحوارات طويلة تنتهي غالبا بالرفض. كنا ندافع عن فكرة المشاركة السياسية في وقت كان آخرون يفضلون الابتعاد عنها، وكنا نؤمن بأن الأحزاب ضرورة لبناء الدولة الحديثة، حتى عندما لم تكن البيئة المحيطة مشجعة على ذلك. واليوم بعد أن تبدلت الظروف، واتسعت مساحة العمل السياسي، وأصبحت القيادة الحزبية موقعاً يحظى بالاهتمام والحضور المجتمعي ، نشاهد وجوها دخلت هذا الميدان قبل أشهر معدودة، ثم أخذت تتحدث عن العمل الحزبي وتاريخه وتحدياته وكأنها عاشت جميع مراحله !!
ومن حق أي مواطن أن يدخل العمل الحزبي اليوم، ومن حقه أن يطمح إلى القيادة، فالأحزاب ليست ملكاً لجيل دون آخر، ولا حكرا على أصحاب التجارب القديمة. لكن الطموح إلى القيادة شيء، وامتلاك التجربة التاريخية التي تؤهلك لتقديم النصح او التحدث باللسان الحزبية شيء آخر تماماً. ليس عيبا أن تكون حديث العهد بالعمل الحزبي، ولكن من المهم أن تدرك أن هناك من سبقك إلى هذا الطريق، ومن أمضى سنوات طويلة يعمل من أجل الفكرة حين لم تكن تحمل لصاحبها مكسبا أو امتيازا.
إن ثمار التحديث السياسي التي نقطفها اليوم لم تنبت بين ليلة وضحاها، ولم تكن وليدة اجتماعات بروتوكولية أو مؤتمرات صحفية أو صور تتصدر وسائل الإعلام. إنها امتداد لمسيرة طويلة شاركت فيها أجيال من الحزبيين الأردنيين، واختلفت تجاربهم وتوجهاتهم، لكنهم أسهموا جميعاً في إبقاء فكرة العمل الحزبي حية وحاضرة لتجد دعم ملكي سامي يترجم الحلم الى حقيقة.
ولذلك، فإن احترام تاريخ العمل الحزبي ليس مطالبة بامتيازات لأصحاب الأقدمية، وإنما هو اعتراف بأن بناء الحياة السياسية يحتاج إلى تراكم الخبرات، وأن القيادة الحقيقية لا تقاس بتاريخ الحصول على المنصب، بل بما يقدمه صاحبها من عمل وتنظيم ورؤية وإنجاز. أما أنا، فلا أحتاج إلى منصب حزبي كي أثبت أنني حزبي، فقد كنت حزبياً قبل أن أصل إلى القيادة، وسأبقى مؤمناً بالعمل الحزبي مهما تغيرت المواقع والمسميات. لم تكن رحلتي بحثا عن لقب، ولم يكن انتمائي السياسي مرتبطاً بموسم انتخابي أو فرصة عابرة. كانت وما زالت قناعة راسخة بأن الأردن يستحق حياة حزبية جادة، وأن بناء الأحزاب يبدأ من الناس، لا من المكاتب المغلقة، ومن العمل الميداني، لا من البيانات والخطابات وحدها.
وأقول لكل من دخل العمل الحزبي حديثاً: أهلاً بكم في هذا الميدان، فالأردن يحتاج إلى الجميع، ويحتاج إلى تجديد الدماء والأفكار والقيادات. لكن لا تختزلوا تاريخاً طويلاً من النضال السياسي في الأشهر القليلة التي أمضيتموها على مقاعد القيادة.
((فالمناصب قد تُمنح بقرار، والألقاب قد تُكتسب في اجتماع أما التاريخ فلا يُمنح ولا يُشترى، بل تصنعه السنوات والمواقف والتجارب والتضحيات ))
وفي النهاية، لسنا في سباق على من يحمل لقبا أكبر، ولا على من يظهر أكثر أمام الكاميرات. إنما نحن أمام مسؤولية وطنية عنوانها بناء أحزاب حقيقية، قادرة على خدمة الناس وتحمل المسؤولية.
فشتان بين من دخل العمل الحزبي بعدما أصبح طريقاً معبّداً، ومن أمضى سنوات من عمره يسير فيه يوم كان مليئاً بالعقبات والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يسأل عن عدد الكراسي التي جلسنا عليها، بل عن الأثر الذي تركناه حين نهضنا عنها.


















