+
أأ
-

أ.د. محمد الفرجات : شركة جت للنقل: نموذج أردني للنقل الجماعي العصري الذي نطمح إلى تعميمه في المملكة

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

عندما نتحدث عن تطوير منظومة النقل العام في الأردن، فإننا لا نتحدث عن توفير حافلات تنقل المواطنين من مكان إلى آخر فحسب، بل عن بناء ثقافة جديدة للتنقل، تقوم على التنظيم والالتزام بالمواعيد والراحة والسلامة، وتوفير خدمة تحترم وقت المواطن وكرامته، وتخفف الأعباء المالية عن الأسر، وتسهم في الحد من الازدحامات المرورية واستهلاك الوقود والتلوث البيئي.

وفي هذا السياق، تستحق شركة جت للنقل أن تكون موضع اهتمام ودراسة، باعتبارها نموذجاً أردنياً معروفاً في قطاع النقل بالحافلات، وتجربة يمكن الاستفادة من عناصر نجاحها عند التفكير في تطوير النقل الجماعي الحديث في مختلف محافظات المملكة.

جت.. عندما يتحول النقل من رحلة إلى خدمة منظمة

إن ما يجعل تجربة شركات النقل المنظمة جديرة بالاهتمام لا يقتصر على امتلاك الحافلات، وإنما يشمل طريقة إدارة الخدمة، وتنظيم الرحلات والمسارات، والتعامل مع المسافرين، وتطوير أساليب الحجز، والاهتمام بجودة المركبات والسائقين، وبناء ثقة متراكمة مع الجمهور.

فالمواطن الذي يختار الحافلة بديلاً عن سيارته الخاصة يريد أن يعرف موعد انطلاق الرحلة، ومكان الصعود والنزول، ومدة الوصول المتوقعة، وكلفة التنقل، ومستوى الراحة والأمان. وكلما كانت هذه العناصر واضحة ومنظمة، ازدادت جاذبية النقل الجماعي وأصبح خياراً عملياً يمكن الاعتماد عليه، لا مجرد بديل اضطراري.

ومن هنا تأتي أهمية الاستفادة من تجربة جت في ترسيخ مفهوم النقل بالحافلات بوصفه خدمة لها معايير تشغيلية وتنظيمية، وليس مجرد مركبة تتحرك بين نقطتين.

من النقل بين المدن إلى منظومة وطنية متكاملة

تقدم جت خدمات نقل داخلي ودولي وسياحي، إلى جانب خدمات أخرى تشمل النقل المؤسسي والليموزين والتوصيل والخدمات اللوجستية. كما تعمل على تطوير وسائل الحجز الإلكتروني وخدمات المسافرين، وتوفر شبكة من المحطات والوجهات داخل المملكة.

وتوضح هذه التجربة أن تطوير النقل لا يتطلب البدء من الصفر في كل مرة، بل يمكن البناء على الخبرات الأردنية القائمة، والاستفادة من قدرات الشركات الوطنية، وتطوير الشراكات التي تحقق المصلحة العامة وتوسع خيارات التنقل أمام المواطنين.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين النقل المنظم بين المدن وبين منظومة النقل العام داخل المدن؛ فلكل منهما متطلبات مختلفة من حيث كثافة الرحلات، وتوزيع المحطات، والتردد الزمني، والتكامل مع الحافلات الصغيرة وخطوط التغذية.

ماذا نريد أن نتعلم من تجربة جت؟

إن طموحنا في الأردن ينبغي أن يتجاوز وجود شركة ناجحة أو حافلات حديثة على بعض المسارات، ليصل إلى بناء منظومة نقل جماعي مترابطة، يشعر المواطن من خلالها أن استخدام الحافلة أسهل وأكثر جدوى من استخدام سيارته الخاصة في كثير من رحلاته اليومية.

ويمكن البناء على الخبرات الوطنية في عدة اتجاهات:

1. الانتظام والموثوقية: وضع جداول معلنة للرحلات، والالتزام بها، وإتاحة معلومات واضحة عن مواعيد الانطلاق والوصول والتأخير.

2. التحول الرقمي: توفير الحجز الإلكتروني والدفع الميسر وتتبع الحافلات، ونشر معلومات الرحلات والمحطات، بما يساعد المواطن على تخطيط تنقله مسبقاً.

3. تطوير المحطات ومراكز التبادل: توفير محطات منظمة وآمنة ومريحة، تلتقي فيها خطوط النقل المختلفة، مع مراعاة مواقعها وسهولة الوصول إليها وربطها بالمناطق السكنية والتجارية والجامعات والمستشفيات.

4. توحيد معايير الخدمة: اعتماد معايير واضحة للسلامة والصيانة والنظافة والتعامل مع الركاب، وتدريب السائقين والعاملين على تقديم خدمة مهنية.

5. التكامل بين الشركات: تنظيم العلاقة بين مشغلي النقل، بحيث تتكامل المسارات والمواعيد، ولا تتنافس المركبات على الركاب في الشوارع نفسها بينما تبقى مناطق أخرى بحاجة إلى الخدمة.

6. التوسع وفق الحاجة الفعلية: دراسة الطلب على النقل في كل منطقة، ثم تحديد أحجام الحافلات وتردد الرحلات بما يتناسب مع أعداد الركاب، بدلاً من تشغيل مركبات كبيرة أو صغيرة دون تخطيط مدروس.

نحو نموذج أردني للنقل الجماعي العصري

إن تطوير النقل العام في الأردن يحتاج إلى شراكة عملية بين الحكومة والبلديات وهيئات تنظيم النقل والقطاع الخاص، مع الاستفادة من الشركات الوطنية التي راكمت خبرة في التشغيل وإدارة الأساطيل وخدمة المسافرين.

ويمكن دراسة إمكانية إسناد بعض المسارات والخدمات إلى شركات مؤهلة بموجب عقود واضحة، تحدد مستوى الخدمة المطلوب، وعدد الرحلات، ومواعيدها، ومعايير السلامة، وآليات الرقابة، ومؤشرات الأداء، والحوافز والعقوبات المرتبطة بالنتائج.

وفي المسارات التي لا تغطي إيراداتها تكاليف التشغيل بصورة كافية، يمكن دراسة دعم تشغيلي موجه ومعلن، يرتبط بعدد الرحلات المنفذة وجودة الخدمة ونقل الركاب فعلياً، بدلاً من تقديم دعم غير مرتبط بالنتائج. كما ينبغي أن تستند التعرفة إلى دراسة اقتصادية تراعي كلفة التشغيل والقدرة الشرائية للمواطن.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن تتولى شركة واحدة إدارة جميع وسائل النقل في المملكة، وإنما أن تعمل الشركات ضمن منظومة وطنية منسقة، تتكامل فيها الأدوار والمسارات والبيانات، وتخضع فيها الخدمة لمعايير موحدة ورقابة فعالة.

الأثر الاقتصادي والبيئي والاجتماعي

إن نجاح النقل الجماعي لا يقاس بعدد الحافلات وحده، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة الناس.

فكلما أصبحت الحافلات خياراً موثوقاً ومناسباً، أمكن تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة في الرحلات التي يمكن خدمتها بكفاءة، والحد من الازدحام واستهلاك الوقود والانبعاثات لكل راكب، وتخفيف أعباء التنقل عن الأسر والطلبة والموظفين.

كما أن النقل المنظم يدعم السياحة الداخلية، ويربط المدن بالمواقع السياحية، ويسهل وصول المواطنين إلى فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية، ويساعد في تنشيط الحركة الاقتصادية بين المحافظات.

غير أن هذه النتائج لا تتحقق بمجرد شراء الحافلات؛ بل تتطلب مسارات مدروسة، وتردداً مناسباً للرحلات، ومحطات آمنة، وأولوية للحافلات حيثما أمكن، وربطاً جيداً بين وسائل النقل المختلفة.

الخلاصة: نبني على التجارب الأردنية الناجحة

إن شركة جت تمثل تجربة أردنية تستحق الدراسة والاستفادة من خبراتها في النقل المنظم وخدمة المسافرين وتطوير أدوات الحجز وتعدد الخدمات. والمطلوب ليس الاكتفاء بالإشادة بالتجربة، وإنما تحويل الدروس المستفادة منها إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم والتطوير.

نريد أردنياً يجد فيه المواطن حافلة موثوقة من حيث الموعد، ومريحة وآمنة، وتكلفتها مناسبة، وتوصله إلى وجهته دون أن يضطر إلى امتلاك سيارة خاصة لكل احتياجاته اليومية.

ونريد منظومة نقل جماعي حديثة لا تقوم على الارتجال وتعدد المركبات دون تنسيق، بل على التخطيط العلمي، والإدارة المهنية، والتقنيات الرقمية، والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص.

جت نموذج أردني يمكن البناء على خبرته، والطموح الأكبر هو أن تتحول الخبرات الوطنية المتراكمة إلى منظومة نقل جماعي متكاملة تخدم المواطن، وتدعم الاقتصاد، وتحسن جودة الحياة في جميع محافظات المملكة.