فارس الحباشنة : موسم الزيتون

هذا الموسم يدب الفرح بين الفلاحين ومزارعي الزيتون. قبل ايام زرت صديقي قاسم العتوم في معصرة جرش الحديثة، مزارعون يستبشرون خيرا من موسم الزيتون، وبعضهم بدأ يقطف الزيتون، وعصروا أول جولة من قطاف الزيتون.
وفي المعصرة تتراكم أكياس من الزيتون الاخضر والاسود قادمة من حقول ومزارع جرش وعجلون، وخربة الوهادنة، والاخيرة تنتج من أفضل أنواع الزيت في الأردن.
العام الماضي موسم الزيتون كان ضعيفا، والإنتاج أقل من المعدل السنوي بـ 70 %، وعوامل بيئية ومناخية كثيرة تتحكم بموسم الزيتون.
وأجدادنا كانوا يقولون: الزيتون سنة غلال وسنة محل.
فرح المزارعين مرسوم على وجوههم وجباههم، وقلوبهم التي تتفجر فرحا واملا بالخير.
الفلاح والمزارع أكثر أنسان ارتباطا بالطبيعية ومواعيدها، يترقب المطر ويترقب الفصول الاربعة بحذر وعناية.
ودورة الحياة في الطبيعة تنضج وتنمو وتكتمل من بين يديه، وهو يزرع ويحرث الارض، ويقطف الزيتون ويعصره، ويحصد ويعشب ويغمر، ويدرس ويذري، ويملئ العدول بالقمح.
انقطاع الزراعة يعني موت الأرض والانسان معا.
لما انقطعنا عن زراعة القمح في سهول حوارن والكرك ومادبا أصابنا الجوع والعوز، والحاجة، والفقر سكن في بيوتنا.
المجتمع الأردني مزارع وفلاح وراع للغنم، وقبل أن نتحول الى مجتمع مستهلك ومستورد لكل شيء، وقبل أن نتحول الى مجتمع موظفين رواتبهم لا تكفي الى 10 الشهر.
تأسس وازدهر الأردن من الزراعة، المدن الرئيسة والحواضر الاردنية الكرك والسلط، وإربد، وثم عمان.. كان اقتصادها الزراعي هو قوام الدولة، زراعة القمح والشعير والزيتون وتربية الاغنام والابقار، والفلاحة في الشفا والجبال والسهول صيفا وفي الاغوار شتاءً.
لولا اقتصاد الارياف والقرى لما نهضت عمان العاصمة، ولما ازدهرت تجارتها ولا أقيمت بها الاسواق والمحال التجارية، وتطورت التجارة التي جلبها الى عمان الشوام والخلايلة، والنابلسية.
وأحدثت الزراعة انقلابا في التطور والتغيير الاجتماعي الاردني، وحياة الاردنيين استقرت، وصاروا أكثر اهتماما بالزراعة ومواسم تجارتها، ويعيشون في بيوت طين وحجرية.
قمح وزيت وسمن الاردن كان يباع في لبنان وسورية، والعراق وفلسطين، واحيانا يمتد طريق تصديره الى اوروبا.
وأنا جالس في معصرة جرش الحديثة واقلب في التاريخ والذاكرة، خطر في بالي الكثير عن صور الخير الأردني والفرح الأردني، وصور بهجة وأمل مزارعي الزيتون، وموسم الغلال، والمزارع يقف على مزراب الزيت يرسم وجهه صورة لأمل وقوة إنسان ودولة، ووطن.
وهم يتحدثون عن الموسم يتذرعون الى السماء بالخير والغيث، ويقولون: الحمد لله، العام الماضي المطر كان غزيرا والسماء جادت بالخير على الزرع والحجر، والبشر.
بساطة فطرية وشعبية عميقة، لا تؤمن الا بالله والارض والوطن.. ولا يفهمون تقارير البنك الدولي ولا تقارير وتوصيات منظمة الفاو، ولا خبراء الامن الغذائي، ومن يرون الاردن من خرم ابرة لما يجري حولنا، وكأن مصيرنا مربوط بما يريد الاخرون والغرباء منا.
الاردن بلد الخير والارض الغلال، والمواطن الصالح والصادق بالولاء، والمحب لارضه وبلده

















