الانتماء للوطن… عطاءٌ لا صفقة، وواجبٌ لا مكسب

بقلم د.يسار فيصل الخيطان
ليس الانتماء إلى الوطن صفقةً تحكمها المصالح، ولا علاقةً تُقاس بمقدار ما يجنيه الإنسان من مكتسبات، ولا عهدًا يبقى ما دامت أبواب الامتيازات مفتوحة، ثم ينتهي حين تتوقف العطايا. فالوطن ليس بئرًا نغترف منه ما نشاء، فإذا نضبت مياهه من المكرمات والمكاسب، انصرفنا عنه وأطفأنا جذوة الانتماء في قلوبنا.
الانتماء الحقيقي لا يُقاس بما يمنحنا الوطن، بل بما نقدّمه نحن للوطن. هو شعور أصيل يتجاوز الحسابات الضيقة، ووفاء لا يتبدل بتبدل الظروف، ومسؤولية لا تسقط حين تتراجع المكاسب أو تتقلص الامتيازات. فالوطن ليس مجرد مصدر للحقوق والمنافع، بل هو هوية وكرامة وتاريخ ومستقبل، ومساحة مشتركة من المسؤولية التي يحملها أبناؤه، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بحسب قدرته ودوره.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مفهوم الانتماء أن يتحول إلى علاقة مشروطة؛ أن يكون الإنسان منتميًا ما دام مستفيدًا، ومواليًا ما دام صاحب امتياز، ومخلصًا ما دامت مصالحه الشخصية تتحقق. عندها لا نكون أمام انتماء حقيقي، بل أمام مصلحة مؤقتة ترتدي ثوب الولاء، وتخلع هذا الثوب بمجرد أن تتغير الظروف. فالانتماء الذي تصنعه المكاسب وحدها، تسقطه أول خسارة، أما الانتماء الذي تصنعه القناعة والوعي والمسؤولية، فيزداد رسوخًا كلما احتاج الوطن إلى أبنائه.
وليس المقصود بذلك أن يتنازل المواطن عن حقوقه، أو أن يُحرم من ثمرة عمله، أو أن يقبل بغياب العدالة وتكافؤ الفرص. فحقوق المواطن واجبة، وكرامته مصونة، والعدالة أساس العلاقة السليمة بين الفرد ومؤسسات الدولة. لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين أن يطالب الإنسان بحقه المشروع، وبين أن يجعل انتماءه مرهونًا بحجم ما يحصل عليه من امتيازات. فالحقوق تُصان، والمصالح تُنظّم، أما الانتماء فلا ينبغي أن يكون سلعةً في سوق المكاسب.
إن الانتماء مسؤولية تُترجم إلى عطاء، والولاء قيمةٌ تُثبتها المواقف، لا الشعارات.
فكلٌّ منا يستطيع أن يخدم وطنه من موقعه؛ الموظف بإخلاصه وإتقانه، والمسؤول بعدالته ونزاهته وحسن قراره، والطبيب بأمانته، والمعلم برسالته، والعامل بإنتاجه، والتاجر بالتزامه، والمواطن باحترام القانون والمحافظة على المال العام والممتلكات العامة. وليس مطلوبًا من الجميع أن يؤدوا الدور نفسه، لكن المطلوب من كل فرد أن يؤدي دوره كما ينبغي، وأن يدرك أن جودة ما يقدمه هي جزء من جودة الوطن الذي نريد.
أما المسؤول، فإن مقدار انتمائه لا يُقاس بموقعه الوظيفي، ولا بحجم الصلاحيات التي يمتلكها، ولا بما يحظى به من امتيازات، وإنما بما يتركه موقعه من أثر في حياة الناس. يُقاس بقدرته على تحسين الخدمات، وصون المال العام، وتحقيق العدالة، وتيسير أمور المواطنين، والاستماع إلى احتياجاتهم، واتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة، لا المصالح الشخصية أو الفئوية. فالموقع العام تكليف قبل أن يكون تشريفًا، والأمانة فيه لا تكتمل بمجرد شغل المنصب، بل بما يتحقق من إنجاز وخدمة وأثر.
ومن هنا، فإن الولاء الحقيقي لا يُختبر في أوقات الرخاء وحدها، حين تتوافر الفرص وتكثر المكتسبات، بل يظهر في أوقات التحديات، حين تتطلب المصلحة العامة جهدًا إضافيًا، وحين تستدعي المسؤولية تقديم الواجب على المنفعة الشخصية، وحين يكون الإصلاح أصعب من المجاملة، والإنصاف أثقل من المحاباة، والعمل الصامت أنفع من الخطاب الرنان.
إننا بحاجة إلى إعادة ترسيخ مفهوم الانتماء بوصفه ثقافة عمل وسلوكًا يوميًا، لا مناسبةً عابرة ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة. نحتاج إلى أن نربط حب الوطن بإتقان العمل، والولاء بحسن الأداء، والمسؤولية بخدمة الناس، وأن نغرس في نفوس الأجيال أن الوطن لا يُبنى بما نأخذه منه فحسب، بل بما نضيفه إليه، وبما نحميه من هدر، وما نصححه من خلل، وما نطوره من مؤسسات وخدمات.
ولنتذكر دائمًا أن العلاقة بين المواطن ووطنه ليست طريقًا باتجاه واحد؛ فللمواطن حقوق، وعليه واجبات، وللوطن علينا حق الإخلاص والعمل والمحافظة على مقدراته. وكما ننتظر من الوطن أن يوفر لنا الأمن والكرامة والفرص والعدالة، فإن الوطن ينتظر منا أن نكون شركاء في بنائه، حراسًا على موارده، أمناء على مؤسساته، ومخلصين في أداء مسؤولياتنا.
فلا تجعلوا انتماءكم بقدر ما تأخذون، بل بقدر ما تعطون؛ ولا تجعلوا ولاءكم مرهونًا بما تنالون، بل بما تنجزون.
فالأوطان لا تنهض بكثرة المطالب وحدها، ولا تُصان بكثرة الشعارات، وإنما تنهض بسواعد أبنائها، وصدق مواقفهم، ونزاهة مسؤوليها، وإخلاص العاملين فيها. والوطن الذي يستحق منا الحب هو الوطن الذي نعمل جميعًا من أجل أن يكون أفضل؛ لا لأننا ننتظر منه مكافأةً في كل مرة، بل لأننا نؤمن بأن بناءه مسؤوليتنا، وأن ازدهاره خير لنا ولأبنائنا وللأجيال القادمة.
فلنجعل انتماءنا للوطن فعلًا يُرى، لا شعارًا يُقال؛ وعطاءً يُلمس، لا كلماتٍ تُردّد. ليبدأ كلٌّ منا من موقعه، ومن مسؤوليته، ومن مساحة تأثيره؛ فليتقن الموظف عمله، وليؤدِّ المسؤول أمانته، وليحفظ كل مواطن حق غيره، وليكن معيارنا جميعًا مقدار ما نضيفه إلى هذا الوطن، لا مقدار ما نأخذه منه.


















