غسان الشواهين : الصلاحيات المطلقة مفسدة مطلقة.. حين تتحول الكراسي الإدارية إلى مزارع خاصة

بقلم: غسان الشواهين
لم تكن مقولة اللورد أكتون "السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة" ضرباً من التنظير الفلسفي، بل هي قاعدة دستورية وقانونية صلبة، أثبتها الواقع الإداري المرير في مؤسساتنا.
إن الداء لا يبدأ حين تفسد ذمة المسؤول، بل حين يفسد النص الذي منحه صلاحية مطلقة بلا قيد ولا ضابط، وحين يصبح هو الخصم والحكم، والمشرع والمنفذ، والرقيب والمراقب.
لقد أكد الدستور الأردني في مادته السادسة والعشرين أن السلطة التنفيذية تناط بجلاله الملك ويتولاها بواسطة مجلس رئاسة الوزراء وفق أحكام الدستور، وأكد في المادة الثانية عشرة أن الوظائف العامة أمانة وطنية، لا امتياز شخصي، وأن أساس توليها الكفاءة والجدارة، فأين نحن من هذه القاعدة الدستورية حين تتحول الوظيفة إلى غنيمة، والمنصب إلى مزرعة خاصة؟
أول الضحايا: اغتيال الشفافية ومبدأ التدرج الإداري
إن أول ما ينهار حين تطلق يد المسؤول بلا كوابح هو مبدأ الشفافية والمساءلة، فيشعر أنه فوق نظام الخدمة المدنية، وفوق نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم 19 لسنة 2024.
يختفي لديه هاجس الرقابة، فتتحول القرارات من مسار العمل الجماعي المؤسسي المدروس عبر اللجان الفنية، إلى قرارات فردية مزاجية، تُبنى على الولاء الشخصي لا على الكفاءة والاستحقاق.
يتحول المدير من قائد يدير مرفقاً عاماً يخدم المواطن، إلى مالك لمزرعة خاصة، يقرب ذوي الحظوه و القرابه والولاء، ويقصي أهل الكفاءة والاختصاص، في مخالفة صريحة لروح المادة 22 من الدستور التي جعلت حق كل أردني في تولي المناصب العامة على أساس الكفاءة.
هنا يموت الإبداع، وتُدفن روح المبادرة لدى الكفاءات الشابة، ويصبح معيار البقاء هو الصمت والتصفيق، ومعيار الترقية هو الانصياع، لا الإنجاز.
تجليات العلة في واقعنا الإداري الأردني
إن لهذا الداء تجليات نراها يومياً في واقع مرير:
تكميم الأفواه وتجريم الرأي الفني يصبح كل رأي فني مخالف لتوجه الإدارة تمرداً يستوجب التنكيل والنقل التعسفي والتهميش، في مخالفة لنظام إدارة الموارد البشرية الذي حمى حق الموظف في إبداء الرأي ضمن القنوات القانونية.
المحسوبية و الفزعة العشائريه والولاء قبل الكفاءة يُقاس نجاح الموظف بمدى ولائه لشخص المسؤول لا بانتمائه لمؤسسته ومدى إنتاجيته، فتُكافأ الحاشية، وتُهمش الكفاءة، وتُدار المؤسسة بمنطق الفزعة لا بمنطق الدولة
تفصيل التعليمات والأنظمة على المقاس وهنا تظهر آفة "مفصلي الأنظمة"،
وخصوصا بتسكين بصياغة وتسكين الهياكل التنظيمية الهشة أولئك الذين يوظفون ثغرات التشريعات لتفصيل تعليمات تخدم بقاء المسؤول وتبرر تجاوزاته المالية والإدارية، وتحصن قراراته من الطعن، حتى يصبح النظام أداة للحماية لا أداة للعدالة.
العلاج بمنظور دستوري وإداري أردني
إن العلاج لا يكمن في استبدال شخص بآخر، فالمستبد الصغير تصنعه البيئة الرخوة، بل في إصلاح البيئة التشريعية والرقابية:
تفعيل الرقابة المؤسسية المستقلةإن قانون الرقابة على أعمال الحكومة، ودور ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، يجب أن يتغلغل إلى داخل الهيكل التنظيمي لكل مؤسسة، بمنح مجالس الإدارة ودوائر الرقابة الداخلية سلطة فعلية للمساءلة دون خشية من الانتقام الوظيفي.
الحوكمة والتحول الرقمي وربط القرار بالنظام إن تطبيق نظام الموارد البشرية الجديد بصرامة، وربط كافة القرارات من انتداب وإيفاد ومكافآت وتنقلات بمنظومة إلكترونية مركزية، يقلل من تدخل التقدير الشخصي المطلق، ويجعل الرقابة سابقة لا لاحقة.
ترسيخ مبدأ تداول المنصب القيادي إن خلود المسؤول في كرسيه لفترات طويله دون دوران وظيفي هو البيئة الخصبة لنمو الفساد وتكلس المؤسسة. لا بد من وضع سقف زمني ملزم للمناصب القيادية والاشرافية ، إعمالاً لمبدأ تجديد الدماء ومنعاً لتحول المرفق العام إلى إرث شخصي.
في الختام، لن يستقيم حال جهازنا الإداري ما دامت الصلاحيات تتدفق في اتجاه واحد دون ضابط، فالدولة القوية لا تبنى بمسؤول قوي يملك كل الصلاحيات، بل بنظام قوي لا يحتاج لمسؤول قوي، نظام يجعل القانون هو السيد، والكفاءة هي المعيار، والمؤسسة هي الباقية والأشخاص هم الزائلون.














