+
أأ
-

الأردن أمام مرحلة استثنائية: حكومة بثلاث خلايا عمل لحماية الاقتصاد والأمن والسيادة

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

ليس الأردن بمعزل عمّا يجري حوله، ولا يملك ترف التعامل مع التطورات المتسارعة بمنطق إدارة الملفات اليومية كلٌّ على حدة. فنحن أمام إقليم تتشابك فيه الحروب والصراعات والتهديدات الحدودية، وتتسع فيه المخاطر الاقتصادية، فيما تتزايد الضغوط على الموارد العامة، وتتراجع قدرة المساعدات الخارجية على ضمان الاستقرار الذي اعتادته المنطقة في مراحل سابقة.

من تداعيات المواجهة الإسرائيلية الإيرانية والتدخل الأميركي، إلى التهديدات المرتبطة بالبحر الأحمر واليمن، والتضييق الإسرائيلي في الضفة الغربية، والتوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، وصولًا إلى تحديات تهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود؛ تتجمع أمام الأردن ملفات لا يصح أن تُدار باعتبارها أزمات منفصلة، بل باعتبارها عناصر مترابطة في معادلة واحدة عنوانها: حماية الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود والاستمرار.

وتأتي الجريمة التي شهدتها منطقة كنيسة حمود في محافظة الكرك، وفق ما توافر من معلومات بشأنها، لتعيد التأكيد على أهمية التعامل الجاد مع الأمن المجتمعي، ومنع تكرار الجرائم، ومتابعة مصادر الخطر وفق القانون، بالتوازي مع صون حقوق المواطنين وحماية السلم المجتمعي. فالأمن ليس حدودًا وحسب، بل هو أيضًا أمن الإنسان والمجتمع، وثقة المواطن بقدرة مؤسسات الدولة على الوقاية والاستجابة.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال الوضع الاقتصادي الداخلي، وما يفرضه من تحديات مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، واحتمالات اضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع المساعدات والمنح، والضغوط التي تواجه الاقتصادات الأوروبية نفسها. فالدولة التي تتعرض محيطاتها الإقليمية للاهتزاز، فيما تواجه مواردها المالية ضغوطًا متزايدة، تحتاج إلى طريقة عمل حكومية تتناسب مع طبيعة المرحلة، لا إلى الاكتفاء بالاستجابات التقليدية.

من هنا، فإن التفكير في تشكيل حكومة جديدة، أو إعادة تنظيم العمل الحكومي ضمن ثلاثة محاور استراتيجية متكاملة، يستحق نقاشًا وطنيًا جادًا، لا باعتباره تغييرًا في الأسماء والمواقع، بل بوصفه انتقالًا إلى نموذج حكومي قائم على الأولويات والإنجاز والمساءلة.

أولًا: خلية الاقتصاد الوطني والإنتاج والاستقلال التنموي

المحور الأول هو الاقتصاد الداخلي، ليس بمفهوم إدارة الموازنة فقط، وإنما باعتباره خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة الأزمات.

لقد أثبتت الأزمات العالمية المتعاقبة أن الاعتماد المفرط على الاستيراد، والمساعدات الخارجية، وتقلبات أسعار الطاقة والنقل، يضع الاقتصادات محدودة الموارد أمام مخاطر تتجاوز قدرتها على التحكم بها. ولذلك فإن المطلوب هو الانتقال التدريجي من اقتصاد ينتظر التمويل والظروف الملائمة إلى اقتصاد يبني قدراته الإنتاجية، ويوظف موارده، ويزيد قدرته على الاعتماد على الذات.

وتتولى هذه الخلية توحيد الجهود الحكومية لمتابعة المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه، ومشاريع الطاقة المتجددة، وتطوير مصادر الطاقة المحلية، والسكك الحديدية، والتعدين والصناعات المرتبطة به، والنقل العام واللوجستيات، إلى جانب مشاريع الأمن الغذائي والمائي، ودعم الاستثمار والإنتاج المحلي.

فالمطلوب ليس الإعلان عن المشاريع مجددًا، بل متابعة كل مشروع من حيث التمويل، والتقدم الفعلي، والعقبات، والجدول الزمني، والأثر الاقتصادي المتوقع، والمسؤول المباشر عن تنفيذه. ويجب أن تكون هناك لوحة متابعة حكومية موحدة، بمؤشرات أداء واضحة، وتحديث دوري للإنجاز، ومساءلة عن التأخير، مع مراعاة الشفافية والرقابة وحماية المال العام.

كما ينبغي أن تعمل هذه الخلية على بناء منظومة متكاملة للاكتفاء النسبي، لا الاكتفاء المطلق الذي يصعب تحقيقه في دولة مثل الأردن. ويشمل ذلك تعزيز الإنتاج الزراعي الملائم للموارد المائية، وتطوير الصناعات الغذائية والدوائية، وتوسيع الاستثمار في الثروات المعدنية، وتحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة، وتقليل الهدر في المياه والطاقة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد الفعلية.

ويجب ألا تنفصل خطط التحديث الاقتصادي والسياسي والإداري عن هذا المسار؛ فالتحديث الاقتصادي يحتاج إلى إدارة عامة كفؤة، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، وتشريعات مستقرة، وبيئة تنافسية، ومشاركة سياسية تعزز المساءلة وتتيح تداول الأفكار والبرامج. كما يحتاج إلى توزيع أوسع لفرص التنمية بين المحافظات، حتى لا تتركز فرص العمل والاستثمار والخدمات في مناطق محدودة.

إن نجاح هذه الخلية يقاس بما توفره من فرص عمل، وما تحققه من نمو في الإنتاج والصادرات، وما تخفضه من كلف الاستيراد، وما تنجزه من مشاريع استراتيجية، لا بعدد الاجتماعات أو التصريحات.

ثانيًا: خلية الأمن الوطني والدفاع وحماية الحدود

المحور الثاني هو الأمن الوطني بمفهومه الشامل، الذي يجمع بين حماية الحدود، والجاهزية الدفاعية، والأمن الداخلي، ومكافحة التهريب، وحماية البنية التحتية الحيوية، والاستعداد للطوارئ.

فالأردن يقع في منطقة تتداخل فيها خطوط الصراع، وتتحرك فيها التهديدات عبر الحدود البرية والبحرية، وتزداد فيها أهمية حماية المجال الجوي، ومراقبة النشاطات غير المشروعة، والاستعداد لاحتمالات التصعيد الإقليمي وانعكاساته على البلاد.

وفي هذا السياق، تتطلب مكافحة تهريب المخدرات من سوريا ومن مختلف المسارات الحدودية، بما فيها مسارات وادي عربة، استمرار تطوير قدرات المراقبة والاستطلاع والتحليل الاستخباري، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المختصة، وتفكيك شبكات التهريب ومصادر تمويلها، بدل الاكتفاء بمواجهة عمليات منفردة بعد وقوعها.

كما يتطلب الأمن الوطني تطوير خطط استمرارية الخدمات الأساسية في حالات الطوارئ، وضمان أمن المياه والطاقة والاتصالات والنقل والمخزون الاستراتيجي من السلع والمواد الضرورية، وإجراء مراجعات دورية لخطط الاستجابة في حال تعطل طرق التجارة أو ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر أو إغلاق بعض المسارات الحيوية.

أما الأمن الداخلي، فيحتاج إلى تعزيز الوقاية من الجريمة، وتحسين تبادل المعلومات ضمن الأطر القانونية، وتطوير أدوات تحليل أنماط الجرائم المتكررة، ومتابعة أصحاب السوابق وفق تقييم فردي للمخاطر، وبما يوازن بين حماية المجتمع واحترام الحقوق القانونية والخصوصية، ويدعم إعادة التأهيل ومنع العودة إلى الجريمة.

ولا بد هنا من التأكيد أن حماية المجتمع لا تتحقق بالتوسع غير المنضبط في الاشتباه أو المساس بحقوق الناس، بل بعمل مؤسسي محترف، قائم على المعلومات الموثوقة، وسيادة القانون، والمساءلة، والتمييز الدقيق بين الخطر الفعلي والمجرد من الأدلة.

ويُفترض أن تعمل هذه الخلية على تنسيق الجاهزية بين المؤسسات المدنية والأمنية والعسكرية، ضمن اختصاصات كل منها، وإجراء تقييمات منتظمة للمخاطر، ووضع سيناريوهات عملية للتعامل مع الأزمات، من دون إثارة الهلع أو تحويل المجتمع إلى ساحة للتوجس.

فالهدف ليس عسكرة الحياة العامة، بل حماية استقرارها، وصون أمن المواطنين، ومنع انتقال اضطرابات الإقليم إلى الداخل الأردني.

ثالثًا: خلية الدبلوماسية الأردنية وحماية المصالح والسيادة

المحور الثالث هو الدبلوماسية الأردنية، بما تمثله من أداة لحماية المصالح الوطنية، وصون السيادة، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتصدي لأي محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض تمس الأردن أو تهدد استقرار المنطقة.

إن التطورات في الضفة الغربية، وما يرتبط بها من تضييق على الفلسطينيين ومخاطر التهجير القسري والتوسع الاستيطاني، ليست قضية بعيدة عن الأمن الوطني الأردني. كما أن التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، واستمرار التوترات الإقليمية، يفرضان متابعة سياسية وقانونية دقيقة، وتنسيقًا مستمرًا مع الدول العربية والشركاء الدوليين.

وفي هذا الإطار، تحتاج الدبلوماسية الأردنية إلى مسار عمل متكامل يجمع بين التحرك السياسي، وبناء التحالفات، وتفعيل القانون الدولي، والتواصل مع العواصم المؤثرة، وشرح المخاطر المترتبة على السياسات الإسرائيلية، وتثبيت الموقف الأردني الرافض للتهجير والتوطين وأي مساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

كما ينبغي تعزيز الحضور الأردني في المؤسسات الدولية، والاستفادة من العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة والدول العربية والآسيوية، لتأمين الدعم السياسي والاقتصادي، وحماية المصالح التجارية، وتنويع مصادر التمويل والطاقة، وبناء شراكات تخدم الأمن المائي والغذائي والتكنولوجي.

ولا ينبغي أن تكون الدبلوماسية الاقتصادية ملفًا ثانويًا؛ فالمنح والاستثمارات والأسواق واتفاقيات النقل والطاقة والتجارة عناصر مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على مواجهة الضغوط. ومن المهم أن تعمل السياسة الخارجية على توسيع الخيارات الأردنية، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو الإمداد، مع المحافظة على التوازن في العلاقات الدولية، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم المصلحة الوطنية.

إن قوة الدبلوماسية لا تقاس بحدة الخطاب وحدها، بل بقدرتها على تحويل المواقف المبدئية إلى نتائج ملموسة، وبناء مساندة دولية، وتقليل المخاطر، وحماية المصالح الأردنية في بيئة شديدة التعقيد.

كيف تعمل الخلايا الثلاث؟

لا يكفي توزيع الملفات على ثلاثة عناوين، بل يجب أن تقوم الفكرة على آلية تنفيذ واضحة، تتجاوز التداخل البيروقراطي وتربط القرار بالنتيجة.

يمكن أن تتولى كل خلية قيادة تنفيذية محددة، بمشاركة الوزارات والمؤسسات المعنية وفق اختصاصاتها، وبإشراف حكومي مركزي يضمن التنسيق بين المحاور الثلاثة. وتُحدد لكل خلية أهداف سنوية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وخطط قصيرة ومتوسطة المدى، وتقارير دورية تبيّن ما أُنجز وما تعثر وأسباب التعثر والإجراءات التصحيحية.

ويجب أن تتكامل الخلايا بدل أن تعمل في جزر منفصلة؛ فمشروع الطاقة، مثلًا، له أبعاد اقتصادية وأمنية ودبلوماسية، والناقل الوطني للمياه مشروع تنموي واستراتيجي، واستقرار الحدود يرتبط بحماية التجارة والاستثمار، فيما تعزز الدبلوماسية فرص التمويل والشراكات وتخفيف المخاطر.

وتبقى المؤسسات الدستورية والوزارات والأجهزة المختصة قائمة بأدوارها القانونية، فلا تكون الخلايا بديلًا عن مجلس الوزراء أو تجاوزًا للاختصاصات، بل إطارًا لتنظيم الأولويات وتسريع التنفيذ وتعزيز المساءلة. ويمكن تطبيق الفكرة من خلال إعادة تنظيم العمل داخل الحكومة القائمة، أو ضمن حكومة جديدة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك؛ فالعبرة ليست بالتغيير الشكلي، بل بقدرة أي صيغة معتمدة على تحقيق النتائج.

الأردن بحاجة إلى إدارة مرحلة، لا مجرد إدارة يوم

إن التحديات الراهنة لا تعني أن الأردن عاجز عن المواجهة، بل تعني أن المحافظة على الاستقرار تتطلب استباق المخاطر، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز الجاهزية الأمنية، وتوظيف الدبلوماسية في حماية المصالح الوطنية.

ولا يجوز أن تتحول الأزمات الإقليمية إلى مبرر لتعطيل الإصلاح أو تأجيل المشاريع، كما لا يصح أن تتحول المشاريع الكبرى إلى وعود مؤجلة تتكرر مع تغير الحكومات. المطلوب أن تتقدم الدولة بخطة واضحة، وأولويات معلنة، ومسؤوليات محددة، ومحاسبة مؤسسية، وأن يعرف المواطن كيف ستنعكس هذه الجهود على فرص العمل، وكلفة المعيشة، والأمن، والخدمات، ومستقبل أبنائه.

إن قوة الأردن لا تقوم على موارده وحدها، ولا على علاقاته الخارجية وحدها، ولا على قدراته الأمنية وحدها؛ بل على التكامل بين هذه العناصر، وعلى الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وعلى قدرة مؤسساته على تحويل التحديات إلى فرص لبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا، وأمن أكثر استدامة، ودبلوماسية أكثر فاعلية.

قد لا يستطيع الأردن التحكم بما يجري في الإقليم، لكنه يستطيع أن يرفع قدرته على الاستعداد له، وأن يقلل نقاط ضعفه، وأن يحمي مصالحه بعمل حكومي منظم وقرارات قابلة للتنفيذ.

وهنا تكمن أهمية التفكير في حكومة تعمل بثلاث خلايا استراتيجية: اقتصاد يبني القدرة على الصمود، وأمن يحمي الدولة والمجتمع، ودبلوماسية تصون السيادة وتدافع عن المصالح الأردنية. إنها دعوة إلى إدارة وطنية تستوعب طبيعة المرحلة، وتنتقل من رد الفعل إلى المبادرة، ومن تشتت الجهود إلى تكاملها، ومن الوعود إلى الإنجاز.

ففي الأوقات الاستثنائية، لا يكون السؤال من يشغل المنصب، بل كيف تُدار الدولة، وما الذي يتحقق على الأرض، وكيف نضمن أن يبقى الأردن آمنًا، قادرًا على الإنتاج، ومتمسكًا بقراره الوطني ومصالح شعبه.