+
أأ
-

غسان الشواهين : هندسة وتهذيب الأصول الحكومية.. من اللوازم إلى الثروة السيادية

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم غسان الشواهين 

المال العام ليس رقماً في دفتر، بل أمانة، وإذا كانت الموازنة نبض الدولة، فالأصول هيكلها العظمي، ولطالما اكتفت محاسبتنا الحكومية بالأساس النقدي تشتري المبنى وتسجله مصروفاً، حتى جاء التحول نحو الاستحقاق وتطبيق معايير IPSAS ومنظومة GFMIS، فأصبح الأصل ثروة وطنية تُحوكم وتُرقمن.

ويرتكز هذا التحول على منظومة تشريعية متكاملة، فالنظام المالي رقم 62 لسنة 1994 عرّف الأموال العامة وأوجب في المادة 47 مسك سجلات الموجودات الثابتة، وجاء نظام اللوازم رقم 32 لسنة 1993 ونظام المشتريات رقم 28 لسنة 2019 لينظم الاقتناء والجرد والشطب والبيع، بينما منح قانون ديوان المحاسبة رقم 28 لسنة 1952 حق الجرد الفجائي، وجاءت تعليمات الموجودات الثابتة لتؤكد أن سجلات GFMIS هي سجلات أصولية معتمدة وفق IPSAS 17.

وتصنيف الأصول هو بداية الحوكمة، فالأصول المتداولة من نقدية وذمم ومخزون هي دماء الدولة السائلة لا تستهلك بل يحاط لها بمخصصات، والأصول الثابتة الملموسة من أراض ومبان وآلات هي جوهر الثروة، والأرض لا تستهلك بإجماع المعايير والمبنى والآلة تستهلك، وثروة العقل وهي الأصول غير الملموسة من برمجيات GFMIS وتراخيص لا تستهلك بل تطفأ إن كان عمرها محدداً أو تختبر لانخفاض القيمة وفق IPSAS 31 إن كان غير محدد.

ثم جاء الفقه الجديد أصول حق الاستخدام وفق IPSAS 43، فإيجار مبنى حكومي لخمس سنوات لم يعد مصروفاً بل يثبت أصل حق استخدام والتزام إيجار يستهلك على مدة العقد، وهو ما كشف الالتزامات المستترة، أما الأصول المالية والاستثمارات طويلة الأجل فلا تستهلك أبداً بل تقاس بالقيمة العادلة، والأصول الحيوية كالمواشي والغابات تقاس بالقيمة العادلة وفق IPSAS 27 لأنها تنمو بذاتها، وأخيراً العقارات الاستثمارية التي تملكها الدولة للإيجار أو لارتفاع القيمة فإنها في نموذج التكلفة تستهلك وفي نموذج القيمة العادلة لا تستهلك.

وتهذيب الأصل دورة محوسبة محكمة تبدأ بالولادة النظامية بطلب لوازم وسند التزام في GFMIS أصلاً لا مصروفاً، ثم الترميز بباركود وطني موحد وبطاقة أصل وكفالة عدلية لأمين المستودع، ثم الجرد الحكيم سنوياً ومفاجئاً وفق المادة 49 ومطابقة الفعلي بالدفتري واحتساب الاستهلاك والإطفاء آلياً، حتى الشطب بلجنة فنية ثلاثية وبيع بالمزاد يورد للخزينة.

إنها ليست محاسبة، بل حوكمة رقمية، صون للمال العام، وعدالة في تدوير المخزون الراكد بدل شراء جديد، وقرار سيادي يبني صورة حقيقية لثروة الدولة، وشفافية لديوان المحاسبة، وتحول من الورق إلى معلومة لحظية.

ومن هنا فالمحاسب الحكومي اليوم حارس ثروة، وقاعدته الذهبية: الاستهلاك للملموس، والإطفاء لغير الملموس، وانخفاض القيمة لمن جاوزت قيمته الاستردادية، والشطب لمن انتهى أجله، فمن فرق بينها فقد رعى الدولة.