عصام سواقد؛ المسيحي الأردني ليس غريبًا… والأردن ليس ساحة للكراهيه

حادثة كنيسة الكرك تفرض مواجهة الحقيقة بلا مجاملات
ما حدث في كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك ليس مجرد حادثة اعتداء عابرة يمكن تجاوزها ببيانات الاستنكار والتصريحات الإعلامية. إنه جرس إنذار يستوجب مواجهة الأسئلة الصعبة، والبحث عن جذور الفكر الذي يدفع إنسانًا إلى الاعتداء على مواطن بسبب دينه.
المسيحي الأردني ليس ضيفًا في وطنه، وليس امتدادًا للغرب، وليس أقل أردنية من أي مواطن آخر. إنه أردني كامل الحقوق، وشريك في تاريخ الوطن وحاضره ومستقبله.
ومن هنا يجب أن يبدأ الحديث، لا من شعارات التسامح، ولا من عبارات المجاملة التي تُقال أمام الكاميرات ثم تُنسى بعد انتهاء البرامج.
من أخطر الأفكار التي ينبغي مواجهتها الخلط بين الهوية الدينية والولاء السياسي، وكأن المسيحي الأردني مسؤول عن سياسات الولايات المتحدة أو أوروبا لمجرد أنه يشترك مع مواطنيهما في الدين.
ما علاقة المواطن المسيحي الأردني بحروب الدول الغربية وقراراتها؟ ولماذا يُنظر إليه أحيانًا باعتباره امتدادًا لجهة خارجية، بدل النظر إليه بوصفه ابن هذا الوطن وشريكًا في مصيره؟
إن تحميل المواطنين مسؤولية سياسات دول أخرى بسبب عقيدتهم ليس مجرد خطأ في التفكير، بل مدخل خطير للإقصاء والعداء.
لا يجوز أن يصبح المسيحي متهمًا في وطنيته بسبب دينه، ولا أن يتحول اختلافه الديني إلى ذريعة للانتقاص من حقوقه أو المساس بسلامته.
لن نصل إلى معالجة حقيقية ما دمنا نكتفي بإدانة مرتكبي الاعتداء، ونتجنب مناقشة الأفكار التي قد يستخدمها بعض المتشددين لتبرير العنف والتمييز.
هناك نصوص دينية وتفسيرات فقهية تاريخية تتناول القتال والعلاقة بغير المسلمين، وقد اختلف العلماء في تفسيرها وتحديد نطاق أحكامها. ومن حق الباحثين والمواطنين مناقشة هذه النصوص والتفسيرات نقديًا، والسؤال عن مدى انسجام ما يُطرح منها مع مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين.
ليس مقبولًا أن يُقال لنا إن المشكلة كلها في سوء الفهم، ثم يُمنع السؤال عن النصوص والتفسيرات التي يستند إليها أصحاب الفكر المتشدد.
كما لا يجوز أن ننسب مواقف المتطرفين إلى جميع المسلمين، أو أن نتعامل مع أي دين باعتباره مسؤولًا بصورة آلية عن كل فعل يرتكبه أحد أتباعه.
المطلوب واضح: مواجهة كل تفسير يبرر الاعتداء أو التمييز، وعدم السماح باستخدام الدين غطاءً للتحريض على المواطنين أو الانتقاص من حقوقهم.
نشاهد شخصيات عامة ومثقفين يتحدثون عن الوحدة الوطنية ويدينون الاعتداءات، وهذا أمر مطلوب. لكن الخطاب العام وحده لا يكفي.
المعيار الحقيقي هو الموقف من المساواة في الحياة اليومية، ومن حق المواطن المسيحي في المشاركة الكاملة، ومن رفض أي انتقاص من كرامته وحقوقه.
من حق المجتمع أن يسأل: هل نرفض الاعتداء فقط، أم نرفض أيضًا الأفكار التي تجعل المختلف دينيًا أقل استحقاقًا للحقوق في نظر أصحابها؟
ومن حقنا أن نطالب بأن تكون الأقوال منسجمة مع الممارسات، وأن تُناقش أي تناقضات موثقة بموضوعية ومسؤولية.
إن حماية المواطنين ودور العبادة مسؤولية الدولة، وليست مسؤولية المواطن المعتدى عليه أو أبناء دينه.
ومن هنا تأتي أهمية تأكيد جلالة الملك على الحزم في مواجهة من يهدد أمن الأردن واستقراره. فالضرب بيد من حديد يجب أن يعني تطبيق القانون بحزم على كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء أو التحريض الإجرامي، دون تهاون أو انتقائية، ودون أن يتحول الحزم إلى عقاب جماعي أو اتهام لأبرياء.
نريد تحقيقًا شفافًا يكشف دوافع الجريمة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، ومراجعة أوجه التقصير إن وجدت، واتخاذ إجراءات وقائية تمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات.
كما نريد مواجهة التحريض أينما ظهر، سواء صدر عن أفراد أو جماعات أو عبر منابر مختلفة، وألا تتوقف المساءلة عند مرتكب الفعل المباشر إذا أثبت التحقيق وجود شركاء أو محرّضين مسؤولين قانونيًا.
هيبة الدولة تُصان بتطبيق القانون على الجميع، وأمن الأردنيين لا يقبل المساومة أو التمييز.
يقرر الدستور الأردني مبدأ المساواة بين الأردنيين أمام القانون، ويحمي حرية ممارسة الشعائر الدينية ضمن أحكامه.
وهذا المبدأ ليس مجاملة لأحد، ولا منحة من أحد، بل أساس من أسس الدولة وحقوق مواطنيها.
المسيحي الأردني لا يحتاج إلى إثبات ولائه أكثر من المسلم، ولا ينبغي أن يُطالب بالدفاع عن نفسه أمام اتهامات مصدرها دينه. ولا يجوز تحميله مسؤولية صراعات دولية أو استخدام اختلافه الديني للتشكيك في انتمائه الوطني.
إن الأردن وطن الأردنيين جميعًا، ولا يملك أحد حق احتكار هويته أو تحديد درجة انتماء الآخرين إليه على أساس العقيدة.
لن تكفي بيانات الاستنكار إذا بقيت الأسئلة الجوهرية بلا إجابة. ولن تكفي البرامج التلفزيونية إذا لم تتبعها مراجعة جادة للخطاب الذي يغذي الإقصاء، ومحاسبة عادلة، وإجراءات تحمي المواطنين.
نريد من المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية أن تواجه الأفكار التي تبرر التمييز، ومن أجهزة الدولة أن تطبق القانون بحزم، ومن المجتمع أن يرفض تحويل الاختلاف الديني إلى مبرر للعداء.
ولا يجوز أن تتحول جريمة يرتكبها أفراد إلى اتهام جماعي للمسلمين؛ فالمحاسبة تكون على الأفعال والأدلة، والمسؤولية عن الوقاية تقع على كل مؤسسة وفرد بحسب دوره.
المسيحي الأردني ليس غريبًا يحتاج إلى قبول، وليس أقلية يُسمح لها بالعيش وفق مزاج الآخرين. إنه مواطن أردني، وحقوقه وكرامته وأمنه واجب على الدولة والمجتمع.
إن الاعتداء على مواطن بسبب دينه اعتداء على مبدأ المواطنة، وعلى سيادة القانون، وعلى الأردن الذي نريد أن يعيش فيه أبناؤنا متساوين في الحقوق والواجبات.
أما الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يفكر في الاعتداء أو التحريض فهي واضحة: لن تكون هناك حصانة لأحد، ولن يُسمح بأن يصبح الدين ذريعة لتهديد المواطنين. ستُكشف الحقائق، ويُحاسَب المسؤولون وفق القانون، وتُحمى حقوق الأردنيين جميعًا دون استثناء.
الأردن لا يُحمى بالشعارات وحدها؛ بل بدولة قوية، وقانون عادل، ومواطنة لا تقبل التمييز.
ودمتم بخير


















