مراقبة المخزون في القطاع العام.. من ثقافة العد إلى حوكمة الأصل العام

بقلم / غسان الشواهين
التحول المفاهيمي لدور مراقب المخزون من وظيفة تنفيذية محدودة تقوم على العد المادي، إلى وظيفة رقابية سيادية تشكل الركيزة الأساسية لحوكمة الإنفاق وسلامة سلسلة التزويد في القطاع العام.
التأصيل التشريعي في التجربة الأردنية
شهدت البيئة التشريعية الأردنية نقلة نوعية بالانتقال من نظام اللوازم رقم 32 لسنة 1993 القائم على مفهوم الشراء التقليدي، إلى نظام المشتريات الحكومية رقم 28 لسنة 2019 وتعديلاته، ومنظومة الشراء الإلكتروني الأردني JONEPS المرتبطة بنظام إدارة المعلومات المالية الحكومية GFMIS.
وفي ظل هذا التحول، لم يعد المخزون عبئاً تخزينياً، بل أصبح أصلاً متداولاً يُدار وفق مبدأ القيمة مقابل المال Value for Money، وأصبحت مراقبته جزءاً من منظومة إدارة علاقات الموردين SRM وإدارة المخاطر المالية.
التفريق الجوهري بين المهمة والمسؤولية والصلاحية
يكمن الخلل الأكبر في الممارسة في الخلط بين ثلاث مراتب تحكمها مصفوفة الصلاحيات:
المهمة هي الإجراء التنفيذي المادي، كمراجعة فرق رصيد أو مطابقة سند استلام.
المسؤولية هي ضمان جودة المخرج وتوثيقه ورفعه للإدارة وفق المعايير المعتمدة.
الصلاحية وهي مربط الفرس في الحوكمة. فاكتشاف الفرق لا يخول مراقب المخزون بأي حال تعديل الرصيد في النظام بمحض إرادته. المراقب يكتشف ويوثق ويرفع، أما التسوية والاعتماد المالي فهو اختصاص حصري للإدارة المالية واللجان المختصة. وهذا هو جوهر مبدأ فصل المهام Segregation of Duties الذي يحمي المؤسسة ويحمي الموظف في آن واحد، وفق ما أكدته معايير الرقابة الداخلية COSO ومعايير التدقيق الدولية.
متابعة الأرصدة وفق سياسة مخاطر لا بالارتجال
إن العمل الرقابي الرصين لا يدار بالصدفة، بل بسياسة مخاطر واضحة تبنى على ثلاثة معايير: القيمة المالية للصنف، وسرعة دورانه، ومستوى مخاطره.
ومنهج التحقق العلمي عند ظهور فرق يقتضي التدرج: أولاً التحقق من تعدد المواقع التخزينية، ثانياً مراجعة وحدة القياس فالخلط بين الكرتونة والقطعة هو السبب الأكثر شيوعاً للفروق، ثالثاً مراجعة الحركات المعلقة كالتحويلات الداخلية التي تمت مادياً ولم تقيد نظامياً، فيظهر عجز وهمي في المستودع.
رقابة الاستلام والتحويلات.. الثغر الأخطر
تعد منطقة الاستلام هي الثغر الأخطر لنشأة الفقد. فإذا كانت وثائق المورد تشير إلى 120 وحدة والوارد الفعلي 110، فإن تسجيل الكمية كاملة مسايرة للورق يعد مخالفة رقابية جسيمة. الواجب هو إثبات الفعلي وتوثيق النقص بمحضر أصولي.
وكذلك التحويلات الداخلية من المخزن إلى صالة الخدمة، فتأخر قيدها يخلق فجوة رقابية يفسرها البعض خطأً كسرقة، بينما هي في حقيقتها قصور إجرائي يجب معالجته بالميكنة.
التقييم المالي السليم وتحليل الفروق
إن أسباب الفروق لا تنحصر في السرقة، بل قد تكون خطأ استلام، أو مرتجعاً غير معالج، أو تالفاً غير موثق، أو خطأ في الترميز. ودور المحترف هو التمييز بين الاحتمال الظني والحقيقة الموثقة بمستند.
وهنا قاعدة ذهبية يجهلها الكثير: تقييم المخزون يكون دوماً بالتكلفة لا بسعر البيع، التزاماً بمعيار المحاسبة الدولي IAS 2. فإذا كان الفرق 6 وحدات وتكلفة الوحدة 100 دينار، فقيمة الفرق هي 600 دينار، حتى لو كان سعر البيع 150 ديناراً، فلا يجوز تضخيم الخسارة إلى 900 دينار.
أما التوالف ومنتهية الصلاحية، فلها بروتوكول عزل صارم في منطقة محجورة وفق متطلبات سلامة الغذاء والدواء، ودور المراقب هو تدقيق السجلات والكميات، لا اتخاذ قرار الإتلاف منفرداً.
التقرير الرقابي الاحترافي
الأصناف مرتفعة المخاطر، أي باهظة الثمن أو سريعة الحركة، هي مؤشر الإنذار المبكر. وتكرار الفروق فيها يوجه بوصلة الفحص لكنه لا يثبت التلاعب تلقائياً.
لذا يجب أن يكون التقرير الرقابي وثيقة احترافية تفصل فصلاً تاماً بين واقعة مثبتة ونتيجة قيد المراجعة، وتذيل بخطوة تالية مقترحة وإجراء وقائي يمنع التكرار، لا برمي التهم جزافاً.
إن اكتشاف الفرق ليس نهاية العمل الرقابي، بل هو بدايته. فقيمة مراقب المخزون الحقيقي لا تكمن في قدرته على إيجاد الخطأ، بل في قدرته على تحليله وتوثيقه وتتبع جذره وتوجيه الإدارة نحو قرار يمنع تكراره.
وعليه نوصي بإعادة هندسة بطاقة وصف وظيفة مراقب المخزون في القطاع العام لتصبح وظيفة حوكمة لا وظيفة عد، وربطها بسجل مركزي مؤتمت في منظومة JONEPS يبني ذاكرة رقابية للمؤسسة، فالمستودع بلا ذاكرة رقابية سيعيد شراء ذات الخطأ استمراراً.


















