+
أأ
-

أ.د. محمد الفرجات : ملكنا حمى مملكته وشعبه، والبندورة من أرضنا والقلاية من تراثنا.. ولا عزاء للخاسئين

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

يبدو أن بعض الذين يضيقون بالأردن، وبقيادته، وبصمود شعبه، لم يجدوا ما يستهدفونه سوى البندورة والقلاية!

يسخرون من البندورة، وكأنها عيب في أرضنا، ويتهكمون على القلاية، وكأن مائدتنا الشعبية موضع خجل، ويستخدمون عبارات مثل «ملك البندورة» و«شعب البندورة والقلاية» في محاولة للنيل من صورة الأردن وقيادته وشعبه.

وأقول لهؤلاء: البندورة من أرضنا، والقلاية من تراثنا، ومن يزرع أرضه ويأكل من خيراتها لا يخجل من محصوله ولا من مائدته. نحن لا نقيس قيمة الأوطان بما يردده المتنمرون عنها، ولا نقيس مكانة الشعوب بنكات الحسابات المجهولة.

لكن المسألة أكبر من بندورة وقلاية. فحين تتحول السخرية إلى رسائل متكررة تستهدف الملك والدولة والهوية الوطنية، وحين تترافق مع حملات تضليل وإساءة وحسابات وهمية تعمل من خارج المملكة، فإننا لا نكون أمام مزحة عابرة، بل أمام محاولة للنيل من الأردن معنوياً وإضعاف الثقة بين شعبه وقيادته ومؤسساته.

الأردن ليس دولة بلا تاريخ حتى تختصره منشورات عابرة

هذه الأرض ليست طارئة على التاريخ، ولم تبدأ حكايتها مع قيام الدولة الحديثة.

على هذه الأرض قامت ممالك مؤاب وعمون وأدوم، وترك ميشع نقشه التاريخي في ذيبان، وشيد الأنباط في البتراء واحدة من أعظم التجارب الحضارية في المنطقة، وأداروا المياه في بيئة شحيحة، وحولوا الجبال والصخور إلى مدينة لا تزال تدهش العالم.

وفي عين غزال شواهد على مجتمعات بشرية مستقرة عرفت الزراعة والاستقرار قبل آلاف السنين، وفي الشبيكة شمال شرقي الأردن عُثر على بقايا خبز تعود إلى نحو 14,400 سنة، في دلالة علمية على عمق علاقة الإنسان بهذه الأرض وبمواردها.

ومن مؤتة واليرموك وفحل، إلى طرق التجارة والحج، كانت أرض الأردن جزءاً من تحولات كبرى في تاريخ المنطقة، وممراً للحضارات والجيوش والتجارة والأفكار.

هذه ليست حكاية شعب يبحث عن تاريخ يستعيره، بل أرض تحمل طبقات متراكمة من التاريخ والإنسان والحضارة.

والبندورة أيضاً من تاريخ الأرض وكرامة العمل

ما العيب في أن تكون البندورة من أرضنا؟ أليست الزراعة عملاً وطنياً واقتصادياً، وأليست ثمرة الأرض عنواناً لجهد المزارع الذي يستيقظ قبل الفجر ليزرع ويروي ويحصد؟

وما العيب في القلاية؟ أليست جزءاً من ذاكرة البيوت الأردنية ومائدتها البسيطة، ومن تراث اجتماعي تشكل عبر الأجيال؟

ليست قيمة الشعوب في أن تتخلى عن طعامها الشعبي كي ترضي المتنمرين، ولا في أن تتنكر لمنتجاتها المحلية حتى تبدو أكثر حداثة في أعين الآخرين.

نحن نريد أن نطور زراعتنا، ونحسن إنتاجنا، ونرفع قيمة منتجاتنا، ونحمي المزارع، ونفتح أسواقاً لمنتجاتنا، ونحول الأرض إلى مصدر دخل وفرص عمل. أما أن تتحول البندورة إلى مادة للسخرية، فهذا لا ينتقص من البندورة، بل يكشف ضحالة من لا يجد وسيلة للنيل من وطن إلا بالسخرية من محصوله ومائدته.

ملكنا قاد دولة وسط إقليم مشتعل

منذ تولي جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، واجه الأردن محيطاً إقليمياً بالغ الاضطراب؛ حروباً وأزمات ونزوحاً وإرهاباً وتحديات اقتصادية وأمنية ومائية متلاحقة.

ولم تكن المحافظة على استقرار الدولة أمراً تلقائياً أو نتيجة ظرف جغرافي وحده. فقد تطلبت قيادة سياسية، ومؤسسات دولة، وجيشاً عربياً وأجهزة أمنية، ودبلوماسية نشطة، وشعباً تحمل أعباء الأزمات ووقف إلى جانب وطنه.

لقد واجه الأردن تداعيات الحروب في العراق وسوريا، واستقبل أعداداً كبيرة من الأشقاء اللاجئين، وتحمل ضغوطاً اقتصادية وخدمية وأمنية، فيما بقيت الدولة قائمة بمؤسساتها، وحافظت على أمنها واستقرارها، واستمرت في أداء دورها الإنساني والإقليمي.

وكان الملك عبدالله الثاني في مقدمة من حملوا مسؤولية حماية مصالح الأردن والدفاع عن قضاياه، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس والوصاية الهاشمية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية.

نحن لا ندعي أن الأردن بلا تحديات، ولا أن مسيرته بلا أخطاء أو نواقص، لكننا نعرف الفرق بين دولة تواجه مشكلاتها وتعمل على معالجتها، وبين حملة خارجية تريد أن تحول كل تحدٍّ إلى أداة للطعن في الدولة وقيادتها وشعبها.

ما يجري استهداف خارجي منظم، وليس مطالبة بالإصلاح

من المهم أن نضع الأمور في موضعها الصحيح.

ما أتحدث عنه هنا ليس خلافاً سياسياً داخلياً، ولا مطالب إصلاحية يطرحها أردنيون، ولا نقاشاً حول أداء حكومة أو مسؤول. نحن نتحدث عن حملات تستهدف الأردن من الخارج، وتستخدم وسائل رقمية للتضليل والإساءة وإثارة الكراهية، وتحاول النيل من صورة الدولة ورموزها الوطنية، وبث الشك والفرقة بين الأردنيين.

وقد أعلنت مديرية الأمن العام، بتاريخ 27 تشرين الأول 2026، رصد عدد كبير من الحسابات الوهمية التي تدار من خارج المملكة، وتحاول نشر إساءات للأردن وبث خطابات الكراهية، واستدراج الآخرين إلى توسيع دوائر الإساءة.

كما ناقشت ندوة وطنية في دائرة المكتبة الوطنية، في أيلول 2026، استراتيجيات مواجهة التضليل الموجه ضد الأردن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الحسابات الوهمية والروايات المضللة والمقاطع القديمة وتقنيات التزييف العميق.

وهذا يعني أن الاستهداف الرقمي ليس وهماً ولا مجرد انطباع؛ بل ظاهرة تناولتها مؤسسات وطنية وحذر منها مختصون وجهات رسمية.

إن بعض الحملات لا تحتاج إلى أن تهاجم الأردن مباشرة؛ يكفي أن تكرر الإساءة إلى قيادته، وتسخر من رموزه، وتحتقر ثقافته الشعبية، وتضخم أخطاءه، وتعيد تدوير الشائعات، حتى تحاول صناعة صورة ذهنية سلبية عنه.

وقد تكون البندورة والقلاية مجرد عنوان ساخر في ظاهر الأمر، لكن توظيفهما المتكرر في سياق تحقير الأردن وشعبه وقيادته يجعل من الضروري فهم الرسالة الأوسع التي يراد تمريرها.

الحرب على الأردن لا تكون دائماً بالدبابات

هناك حروب تستهدف الحدود، وهناك حروب تستهدف الوعي والثقة والذاكرة الوطنية.

وفي زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان إنشاء حسابات وهمية، وتكرار رسالة واحدة عبر آلاف التعليقات، وتضخيم محتوى محدود، وتدوير مقاطع قديمة، وفبركة صور وتصريحات، وإشعال نقاشات تستنزف المجتمع وتزرع الشكوك.

والهدف في مثل هذه الحملات ليس دائماً إقناع الأردنيين برواية محددة، بل قد يكون إغراق الفضاء العام بالإساءة والضجيج، وإضعاف الثقة، وإشعار الناس بأن وطنهم بلا قيمة، وأن قيادتهم بلا إنجاز، وأن تاريخهم وموروثهم مادة للسخرية.

وهنا تقع مسؤولية وطنية على المؤسسات الإعلامية والأمنية والتعليمية، وعلى النخب والكتاب والمواطنين، في التحقق من الحسابات والمصادر، وتوثيق الحملات، وملاحقة المخالفات وفق القانون، وعدم إعادة نشر المحتوى المسيء بحجة الرد عليه.

فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل حساب يحمل اسماً أردنياً يمثل أردنياً، وليس كل تفاعل رقمي تعبيراً حقيقياً عن رأي الناس.

الأردن لا يحتاج إلى أن يعتذر عن هويته

نحن أبناء أرض عرفت الزراعة والاستقرار قبل آلاف السنين، وأبناء حضارات تركت آثارها في الجبال والوديان والمدن، وأبناء مجتمع عرف النخوة والنجدة والكرم، وبنى دولة حديثة رغم قسوة الجغرافيا وشح الموارد واضطراب الإقليم.

نعتز بمنتجاتنا الزراعية، ونعتز بمزارعينا، ونعتز بمائدتنا الشعبية، ونعتز بلهجتنا وأزيائنا وأغانينا وعاداتنا، ونعتز بجيشنا وأجهزتنا الأمنية ومؤسساتنا الوطنية، ونعتز بقيادتنا الهاشمية وتاريخ الدولة الأردنية.

ولا يعني الاعتزاز أن نغلق أعيننا عن الأخطاء أو نتوقف عن التطوير؛ بل يعني أن نعرف قيمة ما نملك، وأن نعمل على تحسينه، وألا نسمح لحملات خارجية بأن تفرض علينا صورة مهينة عن أنفسنا.

إن الأردن أكبر من منشور، وأعمق من تعليق، وأرسخ من حملة إلكترونية. والملك ليس مادة لتصفية الحسابات مع الوطن، والشعب ليس جمهوراً مستباحاً للسخرية، والهوية الوطنية ليست سلعة على منصات التواصل.

وأخيراً…

إلى الذين يسخرون من البندورة والقلاية نقول: هذه أرضنا، وهذا محصولنا، وهذه مائدتنا، وهذا تراثنا. لا نخجل مما نزرع، ولا مما نأكل، ولا من بساطة بيوتنا، ولا من كرامة مزارعينا وعمالنا وأهلنا.

وإلى الذين يستهدفون الأردن بحملات التضليل والإساءة نقول: إن الأوطان لا تُهزم بالتعليقات، ولا تُختصر بتاريخ مزيف، ولا تنفصل قيادتها عن شعبها بمحاولات التحريض.

ملكنا قاد دولة وسط إقليم مشتعل، ومؤسساتنا حافظت على تماسكها، وجيشنا وأجهزتنا الأمنية أدت واجبها، وشعبنا تحمل وصبر وواصل البناء.

سنختلف في السياسات، ونتناقش في القرارات، ونطالب بالأفضل، لكننا لن نسمح لحملات الاستهداف الخارجي أن تختطف هويتنا أو تنال من كرامة وطننا.

ملكنا حمى مملكته وشعبه، والأردنيون حموا وطنهم، والبندورة من أرضنا، والقلاية من تراثنا... ولا عزاء للخاسئين.