الوظيفة العامة بين سطوة الواسطة وسطوة الجدارة

بقلم / غسان الشواهين
هناك سكون ثقيل يسبق كل إنجاز كبير، سكون يظنه البعض توقفاً وهو في الحقيقة مخاض للكفاءة.
في هذا السكون تدرك الكوادر الحية أن الأرزاق والترقيات لا تهبط بالصدفة ولا توزعها الأماني.
هي تنتزع انتزاعاً بسواعد متبصرة جعلت من الصبر درعاً ومن التعلم المستمر وقوداً لا ينضب.
وحين نتأمل واقع الإدارات العامة نجد أن أخطر ما يفتك بالروح الإدارية هو شعور الاغتراب الوظيفي.
أن تكون داخل المؤسسة وأنت تشعر أنك خارج حساباتها، وأن معيار الترقية ليس ما تعرفه بل من تعرفه.
حينها ينحرف المسار عن الحوكمة الرشيدة ويتحول السعي نحو الواسطة إلى بوابة وحيدة لتجاوز الاستحقاق.
ويصبح تجاوز بعض المسؤولين لصلاحياتهم أمراً مألوفاً يبرر كل إقصاء للكفاءة تحت مسمى المصلحة.
هذا الخلل يشبه أن تحبس روحك في قفص ضيق وترضى لنفسك بالفتات المعرفي هروباً من مشقة التعلم.
مع أن التعلم في بدايته مر كالدواء، وقاس كجلسة علاج طبيعي لكسر التأم على اعوجاج.
لكن الناجح الحقيقي هو من يتجرع تلك المرارة ليصنع لنفسه كفاءة نادرة لا تقبل التبعية.
كفاءة تفرض احترامها وتجعل المؤسسات الكبرى هي من تسعى إليه بالثقة والمكانة.
وهو يدرك أن المهام الرتيبة المملة التي يهرب منها الجميع ليست عقاباً بل هي درجات السلم إلى القمة.
فكل مهمة صغيرة متقنة هي شهادة جدارة تضاف إلى رصيدك المهني بشرف واستحقاق.
لكن ماذا لو انكسرت ريشة الطموح فجأة دون ذنب اقترفته سوى أنك رفضت مسارات المجاملة.
ماذا لو انتقلت من واجهة القرار إلى مكتب هامشي لأنك قلت لا في وقت كان الجميع يقول نعم.
هنا يظن الكثيرون أنها النهاية، بينما هي في حقيقة الإدارة الحديثة بداية إعادة هندسة الذات.
هي المحطة التي يتحول فيها الموظف العادي إلى فاهم، ثم إلى متمكن، ثم إلى محترف، ثم إلى خبير.
والخبير هو ذلك المستشار الذي يختصر على مؤسسته سنوات من التجريب والخطأ بقرار واحد صائب.
والطريق إلى ذلك واضح ومجرب، أن تستثمر الفراغ الإجباري بمنهجية التسعين يوماً لكل مهارة.
تسعون يوماً لإتقان إدارة المشاريع حتى تتحدث لغة النتائج لا لغة الأعذار.
وتسعون يوماً لفهم الحوكمة المؤسسية حتى تميز بين الصلاحية والمسؤولية.
وتسعون يوماً لإتقان الاتصال الاستراتيجي حتى توصل فكرتك دون أن تصطدم بالجدار.
وتسعون يوماً لتحليل النظم حتى ترى الخلل في الإجراءات قبل أن يراه الجميع.
بهذه الطريقة أنت لا ترمم سيرتك فقط، بل تتحول إلى ركن لا تستقيم المنظومة دونك.
وتصبح حاجة المؤسسة إليك هي من يفرض قيمتك المادية والمعنوية فرضاً لا تفضلاً.
وتتجاوز بذلك منطق الولاءات الشخصية إلى منطق الجدارة الذي لا يستطيع أحد إنكاره.
ولكي يصمد هذا البناء وسط أمواج البيروقراطية وتجاوزات الصلاحيات لا بد من درع المرونة النفسية.
المرونة ليست أن لا تسقط، بل هي أن تنهض في كل مرة أسرع من المرة التي قبلها.
قد تدميك قرارات الجحود وقد تحبطك تأخيرات الترقي المبنية على المحاباة، وهذا طبيعي ومؤلم.
لكن الهزيمة الحقيقية لا تقع إلا حين تقرر أنت بنفسك أن تستسلم وتتوقف عن المحاولة.
وحين يرافق هذه المرونة سلام داخلي وتغافل ذكي عن معارك الاستعراض الوظيفي الصغيرة.
ستكتشف أن برود أعصابك أمام المحسوبية والتدقيق السلبي ليس ضعفاً بل هو قمة الحكمة.
هو ما يحفظ طاقتك للإنجاز ويحميك من الاحتراق الوظيفي وأمراض التوتر المزمن.
فالوظيفة العامة ليست أرشيفاً يرصف وأوراقاً تحال من مكتب إلى مكتب.
هي أمانة وطنية تتطلب عقولاً متنورة تؤمن أن التطوير ليس رفاهية بل هو طوق نجاة.
وأن العزلة المؤقتة لمراجعة الذات هي أكسير البقاء في عالم إداري لا يتوقف عن التغير.
فلنغادر قوارب الاتكال ومستنقعات الواسطة المتهالكة التي أغرقت الكثيرين.
ولنشد الرحال نحو بساتين التمكن والاحتراف حيث لا يقطف الثمر إلا من زرع بعرقه.
فالأوطان لا تبنيها أكف المتكاسلين المنتظرين لأعطيات المحسوبية في كل موسم.
بل تبنيها سواعد الخبراء الذين فهموا مبكراً أن ألم ساعة من التعلم يعقبه فخر دائم.
وأن العقل المستنير المقترن بالاستحقاق الجدير هو الثروة الحقيقية التي تهدم عروش الفساد وتبني صروح المؤسسات.


















