+
أأ
-

خطاب العرش.. رسائل ملكية ، وهيبة نسيج الوطن في الزي العسكري واصالة المدرقة

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم: مريم بني بكار القادري

لم يكن خطاب العرش السامي مجرد مناسبة دستورية تتجدد مع افتتاح دورة مجلس الأمة، ولا خطاباً سياسياً تُقرأ مضامينه في حدود الكلمات والعبارات؛ بل جاء تجسيداً لهيبة الدولة الأردنية، واختزالاً لمسيرة وطن صاغ الهاشميون تاريخه بالحكمة والعزيمة والثبات، ورسالة قيادة تدرك مسؤولياتها، وتحسن قراءة محيطها، وتتمسك بثوابت وطنها في أكثر المراحل تعقيداً.

وجاء حضور جلالة الملك عبدالله الثاني ليمنح المناسبة أبعاداً تتجاوز إطارها الرسمي، مقدماً صورة متكاملة عن مكانة العرش الهاشمي، وعمق العلاقة بين القيادة والشعب، وصلابة المؤسسات التي تستند إلى تاريخ حافل بالإنجاز والتضحيات. وحمل الخطاب مواقف الأردن الثابتة تجاه قضاياه الوطنية والقومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها مسؤولية تاريخية ودينية لا تقبل المساومة أو التراجع.

وفي صميم الخطاب، جاءت توجيهات جلالة الملك واضحة وحاسمة، واضعةً الحكومة أمام مسؤولية الارتقاء بالأداء العام، وتحويل الرؤى الملكية إلى سياسات وإنجازات تنعكس على حياة المواطنين، مع إيلاء ملف المياه أولوية توازي خطورته الاستراتيجية، باعتباره أحد أبرز تحديات الأمن الوطني، وركيزة أساسية لاستقرار الأردن ومستقبل أجياله. فتعزيز الأمن المائي، وتسريع المشاريع الاستراتيجية، ومواجهة تحديات الشح المائي، لم تعد خيارات مؤجلة، بل استحقاقات وطنية تتطلب التخطيط والكفاءة وسرعة الإنجاز. كما حملت التوجيهات مجلس الأمة مسؤولية النهوض بدوره التشريعي والرقابي، بما يوازي حجم التحديات وتطلعات الأردنيين، فيما خاطبت الشعب الأردني بروح الثقة والاعتزاز، مستندة إلى وعيه وصلابة إرادته وقدرته على حماية وطنه وصون منجزاته. إنها رسائل ملكية تؤكد أن المرحلة تتطلب أفعالاً توازي الأقوال، وأن خدمة الوطن لا تحتمل التردد أو التقصير، وأن الأردن يستحق من الجميع أن يكونوا على قدر تاريخه وتضحيات أبنائه وطموحات قيادته.

وعلى صعيد الرمزية الملكية والعسكرية، اكتسب الزي بُعداً يتجاوز المظهر إلى عمق التاريخ ومعاني الدولة؛ فجلالة الملك عبدالله الثاني بزي العرش، بما يمثله من وقار القيادة وعراقة الإرث الهاشمي وامتداد الشرعية التي قامت عليها الدولة الأردنية، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بزي سلاح الجو الملكي، بما يحمله من دلالات العزة العسكرية وشموخ نسور السماء، وبسالتهم في حماية أجواء الوطن وصون سيادته. لوحة تختصر مسيرة الأردن بين عرشٍ حمل أمانة التاريخ، وجيشٍ حمل شرف الدفاع عن الوطن، وقيادةٍ جعلت من الوفاء للأردن نهجاً، ومن صون كرامته وسيادته عهداً لا يتبدل.

وفي لوحة المشهد الملكي، حضرت جلالة الملكة رانيا العبدالله بحضور وطني وإنساني راقٍ، يعكس صورة الأردن المشرقة، ويجسد أناقة الدولة ورصانتها. حضور يتجاوز حدود المظهر إلى مكانتها في وجدان الأردنيين، ودورها الإنساني والثقافي في نقل صورة الأردن إلى العالم، بما تمثله من نموذج يجمع بين الأصالة والحداثة، والاعتزاز بالهوية والانفتاح على الثقافات.

وكان للمدرقة الكركية حضورها الخاص، فهي ليست مجرد لباس تراثي، بل ذاكرة مكان تختزن ملامح الشهامة والكرامة، ورمز أصالة يختصر حكاية وطن. وحين ترتدي جلالة الملكة هذا الإرث الأردني العريق، فإنها تمنح التراث مساحة تليق بمكانته، وتعيد تسليط الضوء على قيمة الهوية الوطنية بوصفها جذوراً راسخة لا تغيب عن تفاصيل الدولة ومناسباتها. إنها الكرك بتاريخها ومروءتها، والأردن الذي يعتز بإرثه ويقدمه للعالم بثقة وكبرياء.

أما الموكب الأحمر، فكان عنواناً آخر من عناوين الهيبة الأردنية، ومشهداً تتجلى فيه عراقة التقاليد الملكية ووقار الدولة. لم يكن مجرد مرافقة ملكية، بل رمزاً متجذراً في الذاكرة الوطنية، تختصر تفاصيله تاريخاً من المراسم الراسخة، وتمنح المناسبات الملكية حضوراً يليق بمكانة العرش الهاشمي ورمزية قيادته.

وفي قلب هذا المشهد، يقف الحرس الملكي عنواناً للانضباط العسكري والاحترافية العالية؛ حيث تتجلى دقة الحركة، واتزان الأداء، والجاهزية في أدق التفاصيل. رجال يحملون شرف تمثيل مؤسسة عسكرية عريقة، ويؤدون واجبهم بكفاءة تعكس مستوى التدريب والالتزام والاعتزاز بالشرف العسكري. في وقفتهم صلابة، وفي حركتهم دقة، وفي حضورهم صورة تختزل معنى الواجب وقدسية المسؤولية، وتؤكد أن خلف هيبة الدولة رجالاً يدركون عظمة الأمانة التي يحملونها.

إن افتتاح مجلس الأمة بهذه الصورة المتكاملة، من مضامين الخطاب الملكي وتوجيهاته، إلى رمزية الزي العسكري والمدرقة الكركية، وصولاً إلى جلال الموكب الأحمر واحترافية الحرس الملكي، قدم لوحة وطنية تتلاقى فيها السياسة والتاريخ والهوية؛ فالأردن ليس دولة تستمد حضورها من مؤسساتها فحسب، بل من إرث راسخ وقيادة حكيمة وشعب يعتز بجذوره ويحمل تطلعاته بثقة نحو المستقبل.

ويبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، عنواناً لدولةٍ لا تنفصل هيبتها عن تاريخها، ولا تتزحزح مواقفها أمام التحديات، دولةٍ تصون ثوابتها، وتستمد من إرثها العريق قوة الحاضر ورؤية المستقبل؛ ماضيةً بعزم قيادتها، ووعي شعبها، وصلابة مؤسساتها، نحو غدٍ يليق بتاريخها ومكانتها.

ففي الأردن، للعرش مكانته، وللقيادة حكمتها، وللجيش شرفه وتضحياته، وللوطن حكاية عز لا تنتهي؛ إنه الأردن الذي يعرف قدر تاريخه، ويحسن قراءة حاضره، ويصنع مستقبله بإرادة لا تلين.