أزمة فنزويلا: العالم على أعتاب إعادة تشكّل دولي

حسن الدعجة
أزمة فنزويلا الأخيرة لم تعد حدثًا محليًا ولا حتى إقليميًا في نطاق أميركا اللاتينية، بل تحوّلت بسرعة إلى مرآة تعكس حجم الاختلال الذي أصاب النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فاعتقال رئيس دولة بالقوة من خارج حدود بلاده، وتحت ذرائع قانونية وسياسية متنازع عليها، شكّل سابقة خطيرة تمس جوهر مفهوم السيادة الوطنية، وتضرب في عمق المبادئ التي تأسس عليها ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بتفويض جماعي واضح.
الصدمة التي أحدثها هذا الحدث لم تقتصر على فنزويلا وحدها، بل فجّرت انقسامًا دوليًا حادًا بين معسكر يرى في ما جرى فرضًا لإرادة القوة، ومعسكر آخر يعتبره تطبيقًا انتقائيًا للقانون الدولي يخدم مصالح جهة واحدة. هذا الانقسام يعكس في حقيقته أزمة أعمق: أزمة في شرعية النظام الدولي نفسه، وفي قدرة مؤسساته على ضبط سلوك الدول الكبرى، وفي حيادية القواعد التي يفترض أنها تحكم الجميع على قدم المساواة. عندما يُكسر هذا المبدأ، لا يعود الخلاف حول حادثة بعينها، بل حول من يملك حق تعريف القانون، ومن يملك حق خرقه، ومن يُجبر على الخضوع له.
من هذه الزاوية، جاءت ردود الفعل الحادة من بعض القوى الكبرى باعتبار ما جرى انتهاكًا صارخًا للسيادة وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الدولي. هذه القوى لم تدافع فقط عن دولة بعينها أو عن شخص بعينه، بل دافعت عن فكرة أن النظام الدولي لا يمكن أن يقوم على قاعدة أن الأقوى يقرر، وأن القانون يتحول إلى أداة سياسية تُستخدم ضد الخصوم وتُعطّل عند الحلفاء. ما جرى في فنزويلا بدا، في نظر كثيرين، إعلانًا عمليًا عن انتقال النظام العالمي من مرحلة «حكم القواعد» إلى مرحلة «حكم الوقائع المفروضة»، حيث تُخلق الشرعية بعد الفعل لا قبله، ويُعاد تفسير القانون بما يتناسب مع موازين القوة لا مع نصوصه الأصلية.
هذا التحول يضع الصين وروسيا أمام لحظة مفصلية. فهما تدركان أن التغاضي عن هذه السابقة يعني القبول ضمنيًا بإمكانية تكرارها في مناطق أخرى من العالم، وربما في ساحات تمس مصالحهما المباشرة. لذلك لم يكن موقفهما مجرد رد فعل سياسي، بل رسالة إستراتيجية مفادها أن منطق فرض الأمر الواقع بالقوة لن يمر بلا ثمن، وأن العالم يتجه نحو مرحلة تصادمية جديدة إذا لم تُستعد مكانة القانون الدولي كمرجعية حاكمة. في هذا السياق، بدأت ملامح إعادة تموضع واضحة، ليس فقط في الخطاب، بل في طريقة التفكير في التحالفات، وفي أدوات الردع، وفي مفهوم النفوذ ذاته.
انعكاسات هذه الأزمة لا تتوقف عند حدود أميركا اللاتينية أو العلاقات بين القوى الكبرى، بل تمتد مباشرة إلى الشرق الأوسط، الذي ظل لعقود ساحة مركزية لتجارب القوة، وتصفية الحسابات الجيوسياسية، وتطبيق المعايير المزدوجة. إذا ترسخ النموذج القائم على شرعنة القوة بدل شرعنة القانون، فإن المنطقة ستكون من أكثر المناطق عرضة لتداعياته، سواء من حيث تزايد التدخلات الخارجية، أو من حيث تصاعد النزاعات الإقليمية، أو من حيث تآكل فرص التسويات السياسية القائمة على التوافق الدولي.
كما أن التحولات في ميزان النفوذ العالمي ستنعكس على ملفات الشرق الأوسط الحساسة، من الأمن والطاقة إلى الصراعات المزمنة والتحالفات الإقليمية. فإذا شعرت قوى كبرى بأن القواعد لم تعد تحمي مصالحها، فإنها ستلجأ إلى تعزيز حضورها المباشر، أو دعم حلفائها بشكل أكثر وضوحًا، أو حتى فرض وقائع جديدة تعيد رسم خطوط النفوذ. وهذا يعني أن المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى مع مشاريع القوى الإقليمية، في ظل غياب مظلة قانونية فعالة قادرة على احتواء الصراع.
الأخطر من ذلك أن هذه الأزمة تسرّع في عملية تفكيك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي قام؛ رغم كل عيوبه - على فكرة أن الاستقرار العالمي يتطلب قواعد مشتركة ومؤسسات جامعة وآليات لاحتواء النزاعات. اليوم، تبدو هذه المنظومة في حالة إنهاك شديد، تتراجع قدرتها على الفعل، وتتآكل ثقة الدول بها، وتتحول تدريجيًا إلى إطار شكلي لا يملك أدوات الردع ولا سلطة التنفيذ. ومع تزايد الأزمات التي تُحل بالقوة أو بالتهديد بها، يصبح الحديث عن «نظام دولي» أقرب إلى توصيف نظري منه إلى واقع عملي.
من هنا يمكن فهم لماذا يُنظر إلى أزمة فنزويلا بوصفها نذير مرحلة جديدة، مرحلة تتشكل فيها ملامح نظام دولي بديل، لا يقوم بالضرورة على توافق شامل، بل على توازنات قوة متعددة الأقطاب، وعلى منافسة مفتوحة بين مشاريع كبرى تسعى كل منها لفرض تصورها الخاص للعالم وللقانون وللشرعية. في هذا النظام الناشئ، لن تكون القواعد موحدة، بل نسبية؛ ولن تكون المؤسسات محايدة، بل ساحة صراع؛ ولن يكون الاستقرار هو الهدف الأول، بل إدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة.
هذا التحول لا يعني بالضرورة عالمًا أكثر عدلًا أو أكثر ظلمًا، لكنه يعني عالمًا أكثر هشاشة، وأقل قابلية للتنبؤ، وأكثر قابلية للانزلاق إلى أزمات كبرى نتيجة سوء الحسابات أو تضارب المصالح. وفي مثل هذا العالم، تصبح الأزمات المحلية شرارات لأزمات دولية، وتصبح النزاعات الإقليمية عقدًا في شبكة عالمية معقدة من التنافس، وتفقد مفاهيم مثل السيادة والاستقلال معناها التقليدي لتُعاد صياغتها وفق منطق القوة.
أزمة فنزويلا، بهذا المعنى، ليست سوى علامة من علامات التحول الكبير الجاري في بنية النظام العالمي. إنها ليست سبب الانهيار، بل أحد أعراضه. وما لم يُعدْ الاعتبار لمبدأ أن القانون فوق القوة، وأن الشرعية لا تُفرض بل تُبنى، فإن العالم مقبل على مرحلة تتراجع فيها الضوابط، وتتصاعد فيها المخاطر، ويصبح فيها السؤال الأساسي ليس كيف نمنع النزاعات، بل كيف نعيش معها ونديرها. وفي هذا السياق، فإن ما يبدأ في فنزويلا، قد لا ينتهي فيها، بل يمتد ليطال مناطق أخرى، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب التحولات الكبرى، لا كفاعل رئيسي، بل كساحة يتجلى فيها صراع القوى وصدام المشاريع واختلال موازين القانون والقوة.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال


















