منى الغانم تكتب:"النُّخبَة في مُواجَهةِ جاذبيَّة القاع!"

لا يُمكننا الحديث عن مجتمع آمن ومستقر ومُتقدم قبل أن نسأل أنفسَنا أولاً: ما الذي يَشغُل عُقول أبنائِه؟
يُقاس رقي المجتمعات بذلك الخيط الخفيّ الذي يربط أفراده برابطٍ متين يمنع الإنزلاق والصِّدام عند تباين الآراء أو الإختلاف، وهو ما يُعبَّر عنه بالسِّلم المُجتَمعي. إننا نُعوِّل على وَعْي الصَّفوة والنُّخَب المُثقَّفة من أولئك الأكاديميِّين والمُفكرين والكُتَّاب والباحثين والإعلاميِّين الجادِّين وأصحاب الرأي العام المُؤثرين من الفئات الواعية والمُؤثرة. فهم ليسوا أصحابَ شهادات ونظريات فحسب، بل هم بوصلة المجتمع التي تضبط إتجاهاته، والمطلوب منهم القيام بدورهم المعرفي والتنويريّ من خلال توجيه خطاب واعٍ ومعتدل،وتحفيز التفكير النَّاقد البَنّاء الذي يُمَكِّن العامة من تمييز المعلومة الحقيقية من المُفبركة، والخبر الصّادق من الإشاعة، والخطاب الرَّصين الجادّ من الصُّراخ الشعبوي الأجوف، ومواجهة الشائعات والخطابات التي تهدف إلى ركوب الموجة الشعبية لفئات معينة من خلال أخبار ومعلومات مُضَلِّلة.
كما ولا بُدَّ من مواجهة موجة التَّفاهة التي تنامَت مع تصاعد ظاهرة "صناعة التَّفاهة" والتي أثَّرت على الرأي العام، وعملت على تسطيح العقول، وتضخيم المحتوى التَّافه، ورفع شأن التافهين و المؤثرين الذين يفتقرون إلى أدنى درجات العمق الثقافي والمعرفي، ونشر المحتوى المُتدني، وإحلال الشهرة والانتشار والربح السريع محل العلم والكفاءة والجديَّة.
هذا الواقع شوَّه ذائقة الناس، ومزَّق النسيج الإجتماعي، مما أسهم في إقصاء النُّخب الحقيقية المؤثرة عن المشهد، وأضعف تأثيرها على المجتمع وأفراده، وسطَّح القضايا المصيريَّة. ومع غياب هذا الدور الهام للنُّخَب، تراجع السِّلم المجتمعي ككل.
وهنا لابُدَّ من وقفة جادَّة لإستعادة انخراط النُّخب في المجال العام عبر خطاب عقلاني منطقي مؤثر قادر على مخاطبة مختلف الفئات الإجتماعية من خلال منابر فكرية وتعليمية وإعلامية قادرة على إنتاج فكر مجتمعي على مستوى عالٍ من العقلانية والنُّضج، ورفع مستوى الثقافة العامة، والتركيز على القِيم الأخلاقيّة النبيلة ، والتَّصدي للثقافة الضَّحِلة التافهة، وتجفيف منابعها، والتَّقليص من الفجوة بين المثقف والشارع في زمن طوفان السوشيال ميديا.
على النُّخَب الخروج من عزلتها لنشر ثقافة الفكر النيِّر الرَّصين، وإعطاء المساحة لمن يملكون الرؤية الحقيقية لا الترند، من خلال تعزيز الحصانة الفكريَّة أمام تسونامي المحتوى السَّطحي التَّافه في الميدان الرقمي والواقعي. وفي النهاية لم تنتصر التفاهة لأنها أكثر إقناعًا، بل لأنها وُجِدت في فراغٍ تركته النُّخَب خلفها!



















