ثقافة الفزعة حين يغرق الوطن في شبر ماء قراءة فلسفية في هشاشة البناء وسياسة تجويع الخدمات عند المواطن

تعتبر الفزعة في الموروث الشعبي الأردني استجابة فطرية عفوية لنجدة الملهوف وهي خصلة نبيلة أصيلة في سياقها الاجتماعي لكن حين تتحول هذه الثقافة إلى نهج لإدارة للدولة فإننا ننتقل من نبل الأخلاق إلى كارثة التخطيط وما شهده الأردن خلال الأسابيع الماضية من انهيارات في البنى التحتية لم يكن مجرد ظرف جوي طارئ بل كان لحظة الحقيقة التي عرت زيف الخطاب الرسمي وكشفت عن عمق الفجوة بين دولة الاستعراض ودولة المؤسسات
فانهيار طريق أو فيضان عبارة مائية ومداهمة المياه لمحال ومنازل مواطنين …. الخ ليس مجرد فشل هندسي بل هو فشل أخلاقي وقيمي في منظومة العمل فالفلسفة الإدارية التي تعتمد على الغرف المشتركة والتصريحات الرنانة قبل المنخفضات الجوية هي فلسفة تجميلية تهدف لامتصاص القلق الشعبي لا لحل المشكلة حيث تحول الإعلام من رقيب إلى مروج يساهم في تضخيم منجزات ورقية من عطاءات وصيانة واستعدادات يكتشف المواطن زيفها مع أول زخات مطر وهذا التضليل يخلق حالة من الاغتراب بين المواطن ومؤسساته كما يبرر البعض الفشل بمغالطة الدول المتقدمة والقول إن السيول تحدث في واشنطن ولندن وهذه مغالطة منطقية لأن الفارق ليس في هطول المطر بل في المرونة الهيكلية ففي الدول المتقدمة تسقط الأمطار بأضعاف نسبنا وتصرفها بنى تحتية صممت لتدوم قرنا بينما تنهار طرقنا التي استلمت بالأمس القريب مما يشير إلى خلل بنيوي في الرقابة والتنفيذ.
ومن المثير للسخرية السوداء اليوم أن نصل لعام 2026 ولا تزال قمة الإنجاز الهندسي لدى وزارة خدمية كبرى تعج بمئات الآلاف من الموظفين والآليات هي مجرد مرور المياه من تحت عبارة دون أن ينهار الطريق المتهالك فوقها فتحول البديهيات إلى إنجازات وطنية تُصور وتُنشر هو الدليل الأكبر على الإفلاس الإداري ووصمة العار هذه لا تلوث سمعة الوزارة فحسب بل تضرب صورة الدولة في المحافل الدولية وتجعل التساؤل عن مصير المليارات والمنح واجبا وطنيا لا يقبل التأجيل فأين تذهب تلك الأموال إذا كان أقصى طموحنا هو أن تدخل المياه وتخرج دون كارثة
والأكثر إيلاما في هذا المشهد هو الانحدار القيمي الذي أصاب البنية الاجتماعية حيث تحول حلم المواطن الأردني البسيط من العيش في مدينة آمنة تحميه من الكوارث إلى مجرد استجداء جهة رسمية لشفط مياه داهمت منزله ليمتلئ الفضاء الرقمي بعدها بعبارات الشكر والثناء والتقدير لحقه المكفول بالدستور أصلا وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل مرير منذ متى تحول الأردني لهذا النوع من المداهنة إنها سياسة تجويع الخدمات يا سادة و التي تجعل من الحق منة ومن الواجب إنجازا عاديا مما يضطر المواطن المغلوب على أمره لممارسة نفاق اجتماعي قسري لحماية ما تبقى من أثاث منزله وهذا المساس بالكرامة الإنسانية هو الخسارة الأكبر التي لا ترممها كل ميزانيات العالم
إدارة الدولة بعقلية إطفاء الحرائق حملت الخزينة أعباء هائلة فنحن لا ننفق الأموال على البناء لمرة واحدة بل ننفقها مرتين مرة في عطاءات مشبوهة تفتقر للجودة ومرة في ترميم الدمار الناتج عن أول منخفض جوي وهذا الدوار المالي أرهق ميزانية الدولة ورفع المديونية والسبب ليس نقص الموارد بل نزيف الموارد في قنوات الفساد والمحسوبية فالعلاقات المشبوهة التي تنسج في جلسات الليالي الحمراء هي المكان الحقيقي الذي تقرر فيه جودة الإسفلت وعمق العبارات بعيدا عن أعين الرقابة الهندسية والقانونية.
لا يمكن ترميم بناء أساسه منهار والحل لا يكمن في تعيين لجنة جديدة أو إطلاق تصريح إعلامي آخر بل في مشروع وطني للنهضة بالبنية التحتية يقوم على تطهير النخبة الإدارية والحاجة ماسة لجيل من التكنوقراط أصحاب الاختصاص الذين لم تلوثهم عدوى الشللية ولم يدخلوا في صفقات تحت الطاولة أشخاص يقدسون المسطرة والبوصلة أكثر من تقديسهم لرضا المسؤول مع ضرورة المحاسبة بأثر رجعي وفتح ملفات العطاءات التي انهارت فالفلسفة القانونية تقول إن الحق العام لا يسقط بالتقادم ومن استلم طريقا انهار بعد سنة يجب أن يحاسب هو والمقاول والمشرف والانتقال من العفوية إلى العلمية لأن البنية التحتية هي العمود الفقري للأمن القومي والاستثمار فيها بعيدا عن الفزعة هو استثمار في بقاء الدولة واستقرارها.
لقد شبع المواطن من غرف الطوارئ التي لا تعمل إلا تحت الأضواء ومن العطاءات التي تذوب مع أول شتوة وإن الأردن اليوم بحاجة إلى جراحة كبرى تستأصل الأورام التي نمت في جسد المؤسسات الخدمية لتبدأ مرحلة اعادة إعمار حقيقية يقودها الشرفاء لنتوقف عن الاستيقاظ كل شتاء على فاجعة جديدة وجيوب خاوية


















