د.عامر سبايلة يكتب :- انتقال الأزمة إلى الداخل الإيراني.. العنوان الأبرز للعام 2026

يشكّل انتقال الأزمة إلى الداخل الإيراني العنوان الأبرز للعام 2026. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، كان المسار العام للأحداث يشير بوضوح إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة مسألة وقت، وأن تراكم الضربات والتحولات الإقليمية سيقود في النهاية إلى نقل مركز الأزمة من الأطراف إلى العمق الإيراني.
فعليًا، انتهت المعادلة الإقليمية القائمة على مشروع إيران المعروف بـ"وحدة الساحات" بعد أكثر من عامين على الحرب الدائرة في المنطقة. هذه الإستراتيجية، التي هدفت إلى نقل المواجهة إلى الداخل الإسرائيلي عبر تفعيل الجغرافيا المحاذية وفتح جبهات متعددة متزامنة مع اختراق داخلي، انتهت بنتائج معاكسة. إذ تلقى حلفاء إيران ضربات قاصمة، ليس نتيجة تغيير الجغرافيا، بل بفعل عقيدة أمنية إسرائيلية جديدة قائمة على منع استغلال هذه الجبهات مستقبلًا، ما مهّد لانتقال الأزمة إلى الداخل الإيراني بصورة غير مسبوقة.
المواجهة بين إسرائيل وإيران مرّت بمحطات متراكمة، من عمليات اغتيال ممنهجة استهدفت شخصيات ووكلاء إيرانيين، إلى أحداث وُصفت بالغامضة لكنها كشفت حجم الاختراق الأمني داخل إيران. غياب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته، ثم اغتيال إسماعيل هنية في يوم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد، وفي واحد من أكثر المواقع تحصينًا، شكّل نقطة مفصلية. تلت ذلك حرب الأثني عشر يومًا، التي أظهرت بوضوح قدرة إسرائيل على اختراق العمق الإيراني ونقل المعركة إلى الداخل.
لم يقتصر المشهد على ذلك، إذ نفّذت الولايات المتحدة ضربة نوعية غير مسبوقة استهدفت البرنامج النووي الإيراني. وعند قراءة هذه التطورات ضمن سياق واحد، يتضح أن النظام الإيراني وصل إلى مرحلة متقدمة من الانكشاف الداخلي والعجز الخارجي. أدوات النفوذ الإقليمي باتت معطلة، والقدرة على نقل الأزمة إلى الداخل الإسرائيلي تراجعت بشكل حاد، فيما أصبح الداخل الإيراني مفتوحًا على تداعيات مباشرة لسياسات النظام نفسه.
بعد حرب الأثني عشر يومًا، لم تعد إيران في مواجهة مع إسرائيل فقط، بل دخلت في خصومة مباشرة مع المجتمع الدولي. عودة العقوبات، تعميق الأزمة الاقتصادية، تدهور مستوى المعيشة، العجز عن توفير الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه، وانهيار العملة المحلية، إلى جانب تصاعد الاختراقات الأمنية، كلها عوامل أسهمت في تهيئة بيئة انفجار داخلي بدأت ملامحها بالظهور بوضوح، مع خروج الشارع بصورة يصعب مقارنتها بمحاولات سابقة.
في هذا السياق، عاد التوافق الأميركي–الإسرائيلي إلى الواجهة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع نفسه مباشرة على خط الأزمة، سواء عبر المتابعة أو التهديد بالتدخل في حال قمع الاحتجاجات، مؤكدًا أن واشنطن قادرة على ضرب النظام الإيراني في "أماكن مقتله" من دون الحاجة إلى وجود عسكري ميداني.
إسرائيل، من جهتها، لن تفوّت فرصة دفع النظام الإيراني نحو الانهيار من الداخل من دون تحمّل كلفة أمنية مباشرة كتلك التي فرضتها حرب الأثني عشر يومًا. إلا أن الخطر يكمن في احتمال لجوء إيران إلى إعادة فتح جبهات إقليمية كورقة أخيرة، ما يعزز التوجه الإسرائيلي لتحييد حزب الله نهائيًا وإنهاء استخدام الجغرافيا اللبنانية كمنصة تهديد، بالتوازي مع التصعيد داخل إيران.
تهديدات طهران بضرب إسرائيل والمصالح الأميركية تجعل خيار الضربة الاستباقية أكثر ترجيحًا، خاصة مع قناعة إدارة ترامب بضرورة إحداث تغيير جذري في إيران. هذا السيناريو يضع جبهات لبنان والعراق واليمن في دائرة الاستهداف، ويدفع نحو تجريد إيران من أي قدرة انتقامية، ويعزز خيار توجيه "الضربات الموجعة" التي تحدث عنها ترامب، والدفع باتجاه تغيير من الداخل يقوم في جوهره على تغيير رأس النظام مع الإبقاء على الهيكلية وفتح مسار تحول داخلي.
الوصول إلى هذه المرحلة كان متوقعًا. إضعاف إيران تدريجيًا فتح شهية إسرائيل لاستثمار لحظة قد لا تتكرر، انطلاقًا من قناعة بأن إيران تمثل رأس الجبهات السبع، وأن إنهاء هذه الجبهة يعني الانتقال إلى مرحلة إغلاق الجبهات المفتوحة وإنهاء مصادر التهديد الأساسية

















