+
أأ
-

رنا حداد : الوعي المجتمعي يحتاج حضور «الثقافة» أولًا

{title}
بلكي الإخباري

غياب لافت عن المؤتمر الصحفي للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات لوزارة الثقافة.

عندما يُعقد مؤتمر يعالج قضية يومية تمس حياة الناس، مثل الحد من ظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات، ثم تغيب عنه وزارة الثقافة، فنحن لا نتحدث عن غياب بروتوكولي عابر، بل عن غياب رؤية، وغياب فهم لدور الثقافة بوصفها أحد أهم محركات التغيير الاجتماعي.

الغريب، أن الثقافة ما زالت تُعامل رسميًا في كثير من الأحيان بوصفها «فعلًا تجميليًا» : كتب تُطبع، مهرجانات تُقام، معارض تُنظم، وحفلات فنية تُصنع لها الصور والبيانات الصحفية.

بينما الثقافة في جوهرها ليست ديكورًا مكمّلًا للحياة العامة، بل هي شكل الحياة ذاتها.

الثقافة ليست كتابًا يقرأه قلة، بل سلوكًا عامًا يشترك فيه الجميع. هي الطريقة التي نتعامل بها مع الشارع كما نتعامل مع البيت؛ هي كيف نرى المكان العام: هل هو ملك للجميع أم «لا أحد مسؤولا عنه» ؟ هي كيف نرمي نفايتنا، وكيف نحمي الشجرة، وكيف نحترم المدينة.

الثقافة هي التربية المدنية، الوعي البيئي، المسؤولية الأخلاقية، والتصرفات اليومية التي تحدد شكل المجتمع.

لهذا، فإن غياب وزارة الثقافة عن مناقشة قضية مثل الإلقاء العشوائي للنفايات ليس مجرد غياب جهة حكومية، بل غياب العقل الذي يفترض أن يقود التحول الذهني والسلوكي. فمشكلة النفايات ليست مشكلة «نظافة» فقط، بل مشكلة وعي.

ليست مشكلة بلدية، بل مشكلة ثقافة. لأنها تبدأ من فكرة، من قناعة، من إحساس المواطن بالعلاقة بينه وبين المكان، بينه وبين الآخرين.

لو كانت الثقافة تُقرأ على حقيقتها، لكانت وزارة الثقافة في الصف الأول في مثل هذا المؤتمر. لكانت شريكًا أساسيًا في إطلاق الحملات الوطنية، وإعادة تشكيل الخطاب العام حول البيئة، وتغيير صورة الفضاء العام في ذهن الناس. لكانت تعمل على برامج تعليمية وتوعوية، وعلى مبادرات فنية مرتبطة بالبيئة، وعلى دمج الوعي البيئي في المدارس، وفي الإعلام، وفي الأنشطة الشبابية.

الثقافة ليست رفاهية.

الثقافة هي الأخلاق العامة. هي الشعور بالمسؤولية. هي فكرة «أنا جزء من هذا المكان، ومسؤول عنه» .

وما لم نفهم هذا، سنظل نتعامل مع نتائج المشكلة، لا مع جذورها.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع البيئة، مع الشارع، مع المدينة.

ثقافة تُعيد تعريف علاقتنا بالأشياء والأشخاص والمساحات العامة. ثقافة تعلّمنا ألا نرمي النفايات لأن الشرطي موجود، والكاميرا تصوّر، بل لأننا نؤمن أن هذا خطأ بحقنا وبحق غيرنا وبحق المكان