+
أأ
-

د. سلطان المعاني : مواسم الخريجين

{title}
بلكي الإخباري

تجيء مواسم التخرّج كل عام في مشهدٍ احتفاليّ تتداخل فيه الأزياء الأكاديمية مع رائحة الورود، وتتعانق فيه عدسات الهواتف مع عيونٍ تقرأ المستقبل في وجوه أبنائها. يكون الخريجون في دائرة الضوء فهم خلاصة سنواتٍ من السهر، والتعب، والتجربة، ويخرج معهم المجتمع كلّه إلى شرفةٍ واسعة يتأمل عبرها حركته المقبلة: ماذا أنجز التعليم؟ وأيّ حياةٍ تنتظر هذا الجيل؟

تتحول الجامعات في تلك الأيام إلى مسارح فرح؛ منصّاتٌ تصنع ذاكرةً عائلية تُعلّق على الجدران وتبقى في الألبومات، وتوقظ في البيوت شعورًا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الكتاب، ثم يتجسّد في شهادةٍ تحمل اسمًا وتاريخًا وصورة. يتقدّم الأبوان إلى الكاميرا وقد ارتديا فرحتهما على هيئة دموعٍ هادئة، وتتقدّم الجدات بدعائهنّ، ويتقدّم الأصدقاء بحماسٍ يشبه وعدًا جماعيًا بأن الحياة أوسع من القاعات.

تلتقط المجتمعات في مواسم الخريجين قيمةً مضاعفة، فقيمة العلم رأس مالٍ معرفي، وقيمة الاحتفاء رأس مالٍ اجتماعي. فالاحتفال إعلانٌ عن دخول فردٍ جديد إلى شبكة الأدوار والمسؤوليات، وعن انتقاله من مقام التلقي إلى مقام الإسهام. هنا تتكاثف الدلالة؛ شهادةٌ تُمنح، وثقةٌ تُستحق، وتوقعٌ يُبنى. وفي المقابل تتصاعد أسئلة أكثر صرامة من التصفيق: كيف تُترجم الشهادة إلى خبرة؟ وكيف تتحول الخبرة إلى أثرٍ في الاقتصاد والثقافة والخدمة العامة؟

تتكشف في مواسم الخريجين فجوةٌ بين طموح الجيل وسرعة الواقع. فالسوق يطلب مهاراتٍ مركبة، تواصلًا احترافيًا، وكتابةً دقيقة، وإدارة وقت، وتحليل بيانات، ولغةً ثانية وثالثة، وحسًّا رقميًا يقرأ المنصات كما يقرأ الكتب. وتطلب الوظائف الحديثة قدرةً على التعلّم المستمر أكثر مما تطلب حفظ المقررات. عند هذه النقطة يبرز دور الجامعة كمؤسسةَ بناء كفاءات، ودور الطالب بوصفه مشروعَ خبرةٍ متنامية، ودور الدولة والقطاع الخاص كونهما شريكين في صناعة المسار.

تحتاج هذه المواسم إلى أن تُقرأ قراءةً اجتماعية لا تكتفي بسطح الصورة. فالخريج حين يغادر الحرم الجامعي يغادر أيضًا الحماية المؤسسية التي تمنحها الجداول والامتحانات. يبدأ زمنٌ جديد عنوانه الاستقلال المهني والاقتصادي، ومعه يبرز ثقل السؤال: من أين تبدأ الرحلة؟ هنا تتحول الأسرة من ممولٍ عاطفي إلى شريك توجيهٍ هادئ: تشجّع على التدريب، وتفتح شبكة علاقاتها، وتبني ثقافة الصبر، وتمنح الثقة دون ضغطٍ يخنق التجربة.

تتسع مفردات التخرّج اليوم لتشمل ما وراء الشهادة: مشاريع تخرج تتحول إلى شركات ناشئة، ومهارات تتكوّن عبر الدورات القصيرة، ومجتمعات تعلم تتشكل عبر الإنترنت، وفرص عمل تُصنع عبر بناء الهوية المهنية على المنصات. صار الخريج محتاجًا إلى سيرة ذاتية تكتب بذكاء، وإلى ملف أعمال يَعرض الإنجاز، وإلى خطاب مهني يُقنع، وإلى حضور يعبّر عن الشخصية دون ادّعاء. وتغدو الجامعة مطالبةً بأن تربط النظري بالتطبيق عبر شراكات حقيقية، وتدريب منتظم، ومشاريع ميدانية، وإرشاد مهني يرافق الطالب منذ السنوات الأولى.

تتطلب مواسم الخريجين أيضًا شجاعة الاعتراف بأن بعض التخصصات تحتاج تجديدًا في مناهجها ومساراتها. فالاقتصاد المعاصر يتبدّل بسرعة، والوظائف تهاجر من قطاع إلى آخر، والذكاء الاصطناعي يعيد توزيع المهام داخل المؤسسات. هنا تبرز قيمة المرونة: خريجٌ يملك أساسًا معرفيًا رصينًا ثم يبني فوقه مهارات جديدة، ويعيد توجيه بوصلته عندما يتغير الطلب، ويستثمر الوقت في التعلم العميق بدل الركض خلف العناوين اللامعة.

تتعاظم في هذه المواسم مسؤولية الإعلام الثقافي والتربوي؛ فبدل الاكتفاء بنقل الصور، يقدر على فتح نقاشٍ عام حول جودة البرامج، وأخلاقيات التعليم، وعدالة الفرص، ومعايير التوظيف. يقدر على إبراز قصص نجاح صادقة: خريجٌ بدأ من تدريبٍ بسيط ثم صنع خبرة، وخريجةٌ واجهت أبوابًا موصدة ثم فتحت طريقها بالإتقان. وتقدر الجامعات على تحويل حفلات التخرج إلى منصات وصلٍ بين الخريجين وأرباب العمل، عبر معارض وظائف، وحواضن أعمال، ومجالس خريجين فاعلة تعيد تدوير الخبرة داخل المجتمع.

تستحق لحظة التخرج أن تبقى لحظة فرحٍ مكتمل، مع وعيٍ بأن الفرح الحقيقي يكتمل حين يتحول العلم إلى خدمة. خدمةٌ تُرى في مدرسةٍ تتطور، أو مستشفى يتحسن، أو مؤسسة تُدار بكفاءة، أو مشروع صغير يخلق فرصًا، أو بحثٍ علمي يضيف قيمة، أو مبادرة مجتمعية تُرمّم ما تصدّع في العلاقات. فالتخرج يعلن بدء مرحلة العطاء، ويستدعي أخلاق العمل: الانضباط، وإتقان التفاصيل، واحترام الوقت، وبناء الثقة، والقدرة على التعاون.

تنتهي مواسم الخريجين ثم تبقى آثارها في البيوت والشوارع والذاكرة الحية. ويبقى السؤال الأهم: كيف يتحول موسم واحد إلى مسار طويل؟ يتحول حين تُفهم الشهادة باعتبارها بدايةَ رحلة، وحين تُفهم الجامعة مصنعَ كفاءة، وحين تُفهم الدولة والقطاع الخاص شريكين في إنتاج الفرص، وحين يفهم الخريج أن قيمة الإنسان تُبنى بتراكم المهارة والخلق والإنجاز. عندها يغدو التخرج بوابةً للزمن المقبل، ويغدو المجتمع أكثر قدرةً على تحويل الفرح إلى نهضة