في وداع الدكتور عبدالله زعل الضمور كتب الدكتور صالح الحباشنة

لم تكن جنازة عبد الله الضمور حدثًا عابرًا في الكرك، بل كانت مشهدًا مكثفًا للذاكرة الجماعية، حين خرجت المدينة بأكملها لتودّع رجلًا لم يكن يومًا مجرد رئيس بلدية، بل رمزًا لهوية الكرك الوطنية. ومثلها تمامًا، يظل حضور شخصيات من محافظة الكرك علامة فارقة في تاريخ الكرك، حيث يجسد كل منها قدرة المدينة على إنتاج قيادات وطنية تتجاوز جغرافيتها، وتترك أثرًا خالدًا في الذاكرة المحلية والوطنية على حد سواء.
عبد الله الضمور لم يكن شخصية عادية في تاريخ العمل البلدي، فقد تسلّم رئاسة بلدية الكرك وهو في السابعة والعشرين من عمره، ليكون أصغر رئيس بلدية في العالم آنذاك. لم يكن العمر عائقًا أمام حضوره، بل كان دليلًا على أن القيادة الحقيقية تُقاس بمدى قدرة الفرد على التعبير عن هوية مجتمعه، وحماية تراثه، وربط مصالح الناس بالهوية الوطنية. قريبًا من الناس، حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية، وصادقًا في علاقته مع مدينته، أدرك مبكرًا أن كرامة المواطن تبدأ من خدمة يومية محترمة، ومن بلدية تعكس روح الكرك الوطنية في كل قرار وإجراء. لذلك لم تُحفظ صورته في الذاكرة الكركية بسبب قراراته الإدارية فقط، بل لأنه مثل نموذجًا نادرًا للجمع بين الشباب، والمسؤولية، والانتماء الوطني الحقيقي.
من هذه الذاكرة الحيّة، تبدأ الأسئلة الكبرى عن معنى القيادة البلدية اليوم. فالكرك لا تبحث عن رئيس بلدية جديد بالمعنى التقليدي، بل عن امتداد لقيم القيادة التي جسدها الضمور، وروح الشخصيات الوطنية الأخرى، بروح معاصرة وأدوات حديثة، قائد يعرف أن التنمية تبدأ من الناس وتنتهي عندهم، ويعمل معهم لا من فوقهم.
في مرحلة تتعاظم فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد موقع رئيس البلدية مجرد وظيفة إدارية تُدار بالروتين اليومي، بل أصبح موقعًا قياديًا يتطلب رؤية واضحة وجرأة في القرار. رئيس بلدية الكرك القادم، كما نريده، هو قائد يدرك أن التنمية تبدأ من تحسين تفاصيل الحياة اليومية؛ من نظافة الشوارع، وتنظيم الأسواق، وصيانة البنية التحتية، وسرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين، بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه أي رؤية تنموية أوسع، مع حفاظه على الروح الوطنية التي هي جوهر هوية الكرك.
الكرك ليست مدينة عادية، بل مساحة تاريخية ووطنية تحمل عمقًا إنسانيًا وجغرافيًا خاصًا. وإدارتها مسؤولية تتجاوز الخدمات إلى بناء مشروع تنموي متكامل، دون أن يعني ذلك إهمال الدور الخدمي الذي يلامس حياة الناس مباشرة. فالرئيس الذي نريده هو من يوازن بين التخطيط للمستقبل وإدارة الحاضر بكفاءة وعدالة، ويحمي الهوية الوطنية في كل قرار.
القيادة التي نبحث عنها هي قيادة استراتيجية تطويرية، قادرة على الربط بين السياحة، والزراعة، والصناعة، والخدمات العامة ضمن رؤية واحدة متناسقة. وفي هذا الإطار، يبقى القطاع الزراعي جزءًا أصيلًا من هوية الكرك الوطنية واقتصادها، رغم التحديات التي تواجهه، ونريد رئيس بلدية يدعم الزراعة المحلية ويحافظ على الأرض بوصفها قيمة وطنية وأرضًا خصبة لتاريخ الكرك وإنتاجها.
أما السياحة، فهي واحدة من أكثر الفرص المهدورة في الكرك، لا بسبب غياب المقومات، بل نتيجة غياب الإدارة القادرة على استثمارها. فالمواقع التاريخية، وعلى رأسها قلعة الكرك، تشكل ثروة وطنية يمكن تحويلها إلى اقتصاد حيّ إذا ما أُحسن التعامل معها، بما يخلق فرص عمل ويعزز هوية المحافظة.
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون التوقف عند الاقتصاد المحلي ودور القطاع الصناعي، بحيث تتحول الاستثمارات الكبرى إلى فرص عمل حقيقية، واقتصاد متنوع يخدم أبناء المحافظة، ويعكس روح الانتماء الوطني بدلاً من مصالح ضيقة.
كما أن أي مشروع تنموي لا يمكن أن ينجح دون إشراك الشباب والمرأة بوصفهم شركاء في القرار، وبث روح الثقة بأن العمر ليس معيار القيادة، كما أثبت عبد الله الضمور قبل عقود، حين جعل من رئاسته نموذجًا لشباب ملتزم بهوية وطنه.
كل ذلك لا يكتمل دون قيادة تقوم على الشفافية والمساءلة والوضوح، قادرة على مزج الحضور اليومي الفعّال مع رؤية استراتيجية للمستقبل، محافظًا على الروح الوطنية للكرك. رئيس بلدية قريب من الناس، صادق في خطابه، واضح في قراراته، ويؤمن بأن الثقة العامة هي الأساس لأي نجاح تنموي مستدام.
وباختصار، الكرك التي ودّعت عبد الله الضمور بكل هذا الحضور، والتي تذكّر دائمًا بمساهمات شخصيات لا تزال تبحث عن قائد يُشبه أثرهم، يعكس هويتها الوطنية، ويجعل من الخدمة اليومية والتنمية المستقبلية جزءًا من نفس الرؤية. هذا هو رئيس بلدية الكرك الذي نريد… فهل آن الأوان؟
والله الكرك من وراء القصد.
د صالح الحباشنة

















