الأردن 2026...عامٌ مفصلي للانتقال من الخطط إلى التنفيذ

البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
لم يعد الأردنيون ينتظرون الخطط بقدر ما ينتظرون آثارها. ولم تعد اللغة المطمئنة، قادرة على تهدئة قلق مواطن أرهقته وعود مؤجلة تراكمت على مدى عقود. فالدول لا تُقاس بما تعلنه من استراتيجيات، وتصريحات، وتوصيات المؤتمرات، بل بما تحققه من نتائج تنعكس في تفاصيل الحياة اليومية للناس.
من هنا، يكتسب عام 2026 دلالته الخاصة، لا بوصفه عامًا جديدًا في التقويم، بل لأنه يُقدَّم رسميًا من الحكومة، باعتباره عام الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، ومن إدارة الوقت إلى إدارة الأثر، ومن خطاب الإصلاح إلى ممارسته. حيث يُفترض أن تتحول فيه الرؤية الاقتصادية من الوثائق إلى وقائع ملموس.
في مقابلته مع التلفزيون الأردني، حرص رئيس الوزراء على رسم ملامح مرحلة مختلفة، رؤية أوضح، وأولويات محددة، ورسالة مباشرة مفادها أن الإنجاز يجب أن يسبق الوعود (وهو ما لمسه المواطن من جولات الرئيس المتعددة). هذه العبارة، في بساطتها الظاهرية، تحمل ثقلًا سياسيًا كبيرًا في دولة أثقلت ذاكرتها وعود لم تُنفّذ، وخطط لم تستكمل. وهي، في جوهرها، ما يحتاجه الأردنيون اليوم، الانتقال من إدارة الزمن إلى إدارة النتائج.
أي خطة، مهما بلغت دقتها التقنية، لا تُقاس بجمال عرضها، بل بانعكاسها على حياة الناس. المواطن لا يسأل عن نسب النمو الكلي، بل هل سيتحسن دخلي؟ هل ستخف فاتورة الكهرباء والمياه؟ هل سيجد أبنائي فرص عمل حقيقية؟
الأردن لا يعاني نقصًا في الأفكار ولا شحاً في الدراسات، بقدر ما يعاني فجوة مزمنة بين التخطيط والتنفيذ، وبين القرار والمتابعة، وبين الإعلان والمساءلة.
حديث رئيس الوزراء عن أن عام 2026 هو عام التنفيذ، والربط بالإنجاز، يفتح نافذة أمل حقيقية. لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا بإلحاح مشروع، هل نحن أمام لحظة تحوّل حقيقية في نهج الدولة؟ الجواب اعتقد ذلك من مشاهداتنا اليومية لتحركات الرئيس.
ليست هذه المرة الأولى التي يقف فيها الأردن عند عتبة مفصلية. ففي أواخر السبعينيات والثمانينيات، واجهت الدولة تحديات لا تقل قسوة، شح الموارد، ضغوط خارجية، وتقلبات إقليمية حادة.
ولفهم فلسفة إدارة الازمات المتلاحقة، وأثناء قراءة خطط الحكومات المتعاقبة، يستحضر المرء تجربة رئيس الوزراء الراحل عبد الحميد شرف، الذي لم ينظر إلى الاقتصاد كجداول حسابية، بل كمنظومة سيادية متكاملة، ويرى أن التنمية ليست مشروع وزارة، بل مشروع دولة، وأن الاقتصاد ليس ملفًا تقنيًا، بل هوية وطنية وخيار سيادي. لذلك كان يؤمن بأن الاقتصاد لا يُدار بعقلية المحاسب، بل بعقلية المهندس.
طرح شرف مبكرًا أفكارًا متقدمة، التخطيط المتلازم مع التنفيذ، وحماية الطبقة الوسطى، وربط الاستثمار بالإنتاج لا بالمضاربة. وفي وقت كانت المنطقة تدخل مرحلة الريع السياسي والمالي، كان من القلائل الذين قرأوا خطر ان يكون هناك اقتصاد بلا إنتاج.
كان يدرك أن الأردن، بموارده المحدودة، لا يملك ترف التجربة والخطأ، وأن أي انحراف في الخيارات الاقتصادية سيتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية، لا مجرد عجز في الموازنة. آمن بأن الدولة يجب أن تقود التنمية، ورأى في التعليم استثمارًا سياديًا، لا بند إنفاق.
كان شرف، يرى أن الدولة التي تعيش على الضرائب والرسوم دون أن تُنتج، تضعف ثقة مواطنيها وتفقدها القدر على المناورة. مثل هذا الطرح، تحدث به الدكتور عمر الرزاز، تحت شعار دولة الإنتاج (اصطدم عندها بجائحة كورونا)، وهو الطرح الاقرب إلى نماذج الدولة التنموية في شرق آسيا.
خلال العقود، تعاقبت الحكومات وتكاثرت الخطط، كثيرًا من التجارب وقعت في فخ خطط بلا استمرارية، ومشاريع بلا حماية، واستثمارات بلا اندماج حقيقي في الاقتصاد الوطني.
في التسعينيات وبدايات الألفية، جرى الرهان على الخصخصة كحل سحري، دون بناء قاعدة إنتاجية موازية. وفي العقدين الأخيرين، تكرر الحديث عن استثمارات بمليارات الدولارات، ليتبيّن لاحقًا أن الحكومة الأكثر تسويقاً لشعار الاستثمارات بالمليارات، كانت الأكثر استدانة، وأن شعارات الخروج من عنق الزجاجة والقادم أجمل لم تُترجم تحولًا بنيويًا في سوق العمل أو في بنية الاقتصاد.
العبرة واضحة، فالمشكلة ليست في غياب الخطط، بل في غياب الفلسفة التي تحكمها، والاستمرارية التي تحميها.
في الأردن، اعتدنا أن ننسج أثوابًا من الخطابات، ونرتدي عباءات من الوعود، لكن مع أول سقوط للمطر، تظهر الحقيقة، وينكشف قماش البنية التحتية الهش. هنا لا يمكن أن نتحدث، دون أن نلمس جرح الاردن المفتوح، التعليم والفقر. فالتعليم الذي كان يومًا ثوبًا أنيقًا يفخر به الأردنيون، أصبح اليوم متراجعًا، ومثقلاً بالشهادات دون المهارات. وهذا ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو تهديد لمستقبل وطن بأكمله. وهنا كيف يمكن أن تتحدث عن اقتصاد معرفي بينما النظام التعليمي يعاني هذا الوهن؟ فالخطاب لا يعوّضه غياب الكفاءة.
الفقر يتمدد في أطراف المدن والقرى والمخيمات، تتآكل الطبقة الوسطى، والشباب محاصرين بين حلم الهجرة ومرارة الواقع. إن ثوب الفقر لا يغطي الجسد فقط، بل يخنق الروح ويجعل أي حديث عن الإصلاح بلا معنى إذا لم يبدأ من هنا.
في الأردن، اعتدنا ان ترتدي السلطة ثياب الإصلاح، وتلبس المعارضة ثياب النقد، بينما المواطن يتساءل، هل هذه الثياب جديدة حقًا، أم مجرد إعادة تدوير؟
اليوم، وبعد حديث الرئيس، عن ضرورة وفاء كل مسؤول بما يعد به، هذه العبارة إن تحولت إلى ممارسة، فهي تعني بداية نهاية ثقافة الإفلات من المساءلة، وبداية بناء دولة الإنجاز لا دولة التبرير. وهو اختبار حقيقي، هل فعلاً ارتدى الأردن ثوب تحديث مؤسسات، القائمة على الشفافة، والحوكمة، والمسألة؟ اعتقد الجواب نعم، في ظل ما وعد به الرئيس، وفي حال لم تتمكن قوى الشد العكسي من تعطليه.
الملك، كرر أكثر من مرة أن الإصلاح ليس ترفًا، بل ضرورة، وهي دعوة صريحة لأن تكون السياسات منسوجة من أفعال لا من وعود (ماذا فعلت؟ وماذا قدّمت؟)
الثقة بكلام رئيس الوزراء لا تعني تعليق الأسئلة، بل تعني طرحها في وقتها وبمسؤولية وطنية، والتعامل معها كجزء من التخطيط المسؤول.
فمشروع الناقل الوطني، على سبيل المثال، مشروع استراتيجي يرتبط بالأمن المائي. غير أن أهميته لا تعني تحييده عن النقاش العام. فالقفز بكلفته، وفق تصريحات رسمية متباينة، من نحو 3.66 مليار دينار (حسب تصريحات الوزير السابق، الذي غادر موقعه بتاريخ 26/9/2023) إلى ما يقارب 6 مليارات دينار في تصريح الوزير الحالي تاريخ 12/9/2024، دون شرح تفصيلي للرأي العام، تفتح بابًا واسعًا للتساؤلات المشروعة، هل تغيّر التصميم؟ وهل أُضيفت مراحل جديدة؟ ماذا حصل؟
على الرغم من ان رئيس الوزراء، أشار في حديثة، الى ان التكلفة ستكون من 5-5.5 مليار دولار (أي ما يعادل 3.55 – 3.9 مليار دينار)، الا ان التناقض في الأرقام مازال سيد الموقف، فالشفافية هنا ليست مطلبًا إعلاميًا، بل شرطًا لبناء الثقة الوطنية.
الأمر ذاته ينسحب على ملف الطاقة. تحدث رئيس الوزراء عن الوصول إلى تغطية 80% (حوالي 256 -280 مليون قدم مكعب يومياً) من احتياجات الأردن للغاز، المقدرة ب 320-350 مليون قدم مكعب يوميًا، بحلول 2030. يبدو واقعيًا إذا استند إلى معطيات دقيقة، اخذين بعين الاعتبار عدد الابار المحفورة، او التي ستحفر، والمنتج منها ومتوسط الإنتاج. لكن السؤال المفتوح، ماذا عن هدف 418 مليون قدم مكعب يوميًا بحلول 2030؟ والتي سبق وان أعلن عنه أكثر من مرة وزير الطاقة، وهل سيكون مصيرها كمصير انتاج الوصول الى 200 مليون قدم عام 2025 (حسب تصريحات 2022)؟ ولن نتحدث هنا عن اعمال التنقيب.
ان تراكم التصريحات المتباينة في السنوات الماضية يفرض سؤالًا مشروعًا، أين الخلل؟ في التقدير أم في التنفيذ؟ وفي كلتا الحالتين، لا بد من شفافية ومصارحة، ونحن نثق بقدرة الرئيس على القيام بذلك، لوقف التناقضات.
وهناك غيرها من التساؤلات، عن انشاء الاكاديمية الوطنية للإدارة العامة، فالفكرة إيجابية في جوهرها، ويجب ان تكون جزءًا من إصلاح شامل لمنظومة الخدمة المدنية. كما يفهم انها ستكون بديل لمعهد الإدارة العامة، كما كانت هيئة الخدمة والإدارة العامة، بديل لديوان الخدمة المدنية، وهنا نرجو ان تكون انطلاقة قوية، لكيلا نكتشف لاحقاً انها عملية تبديل الاثواب. فالتحدي في الأردن لم يكن يومًا نقص المؤسسات، بل غياب الإصلاح الاداري الجذري.
الأردنيون لا ينتظرون ثيابًا جديدة، بل جسدًا قويًا يليق بأي ثوب.
الأردنيون، بحاجة الى خريطة فكرية، قبل الخريطة التقنية، للخروج من عقل الأزمة إلى عقل الرسالة، ومن إدارة الناس إلى تمكينهم، ومن خطاب الأعذار إلى خطاب القدرة، ونحسن الحساب، للوقت، والموقع، والعقول، والشبكات، العامة.
في لحظات التحوّل الكبرى، قوة الدول تُقاس بعمق الثقة التي تبنيها مع مجتمعها، والثقة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة سيادية. وهي ما يعيد الاعتبار للعقد الاجتماعي، ويحوّل المواطن من متلقٍ قلق إلى شريك واعٍ.
عام 2026، في هذا المعنى، ليس مجرد عام تنفيذ مشاريع، بل عام اختبار للدولة، اختبار للقدرة على استعادة الثقة، والمواءمة بين السياسة والمعيشة، وبين الداخل والخارج. فالدولة التي تُطمئن شعبها، تُطمئن قيادتها (وهي تعمل على إعادة تموضع الأردن في خريطة إقليمية ودولية مضطربة)، وتُطمئن شركاءها، في ظل التغير المتسارع في خرائط النفوذ، والمشاركة في المشاريع الكبرى المتجهة للشرق الأوسط، بعضها اقتصادي وبعضها سياسي وبعضها أمني.
الاردن بحكم موقعه، واستقراره، وقوة قيادته سيكون حاضر، الا ان المطلوب أن يكون حضوراً محسوباً، ومدعومًا ببيت داخلي متماسك، واقتصاد قادر.
ما يحتاجه الأردنيون اليوم ليس معجزات، وهم يدركون ان تلاقى الرؤية مع التنفيذ، والسياسة مع الحياة اليومية، تجعل من الأزمات فرصاً، ويصبح الخروج من المأزق ليس إدارة نجاة، بل هندسة مستقبل.



















