+
أأ
-

د. ألون بن مائير يكتب :- ترمب قرصنة عالمية ظاهرة للعيان للجميع

{title}
بلكي الإخباري

 

 

يُعدّ غزو ترامب لفنزويلا للإستيلاء على نفطها بذريعة مكافحة تهريب المخدرات عملاً قرصنياً يُقوّض ما تبقى من مكانة أمريكا الأخلاقية والقانونية والأيديولوجية في عهد ترامب، في حين أنه ينتهك القانون الدولي وكلّ الأعراف.

 

إنّ تصرفات ترامب في فنزويلا كارثية أخلاقياً، إذ تُظهر استهتاراً خطيراً بكرامة الإنسان وحقوق الفنزويليين العاديين في التحرّر من القوى الخارجية. ورغم أن مادورو حاكم مستبد فاسد حكم في كثير من الأحيان بمراسيم، إلا أنه لا يحق لأي دولة اختطاف رئيس دولة أخرى تحت أيّ ظرف من الظروف، فضلاً عن القيام بمثل هذا العمل الوحشي السافر بهدف استغلال الموارد الطبيعية لبلد ما.

ومن الناحية القانونية، يُعدّ تصرف ترامب تجاوزاً وقحاً يُقوّض سيادة القانون وينتهك ميثاق الأمم المتحدة. ومن الناحية الأيديولوجية، يُمثّل انحرافاً خطيراً عن المبادئ الديمقراطية، إذ يتبنى أساليب استبدادية يجب رفضها رفضاً قاطعاً. إن تصرفات ترامب في فنزويلا تُخالف بشكلٍ صارخٍ المُثل العليا للتضامن والعدالة العالميين، وتُمثل انقلابًا تامًا على ما ينبغي أن يُمثله المجتمع الدولي، ألا وهو الإحترام المُتبادل لسلامة الأراضي والسعي لحل النزاعات سلميًا.

من غير المعقول أن يُعلن رئيس أمريكي، دون خجل، أمام الأمة والعالم أجمع، أن الولايات المتحدة غزت فنزويلا وألقت القبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته اللذين سيُحاكمان بتهمة تهريب المخدرات، وأن الولايات المتحدة “ستُدير البلاد” الآن. في الواقع، وكما أوضح ترامب صراحةً، ستُسيطر الولايات المتحدة الآن على جميع احتياطيات النفط الفنزويلية، وهي الأكبر في العالم، وستستحوذ شركات النفط الأمريكية عليها وتجني أرباحها وتُشاركها مع الحكومة الأمريكية.

إن ادعاء ترامب بأن هذا سيوقف تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة هو نفاقٌ في أحسن الأحوال. الحقيقة هي أنه أصدر عفواً عن تاجر مخدرات مدان والرئيس السابق لهندوراس، خوان أورلاندو هيرنانديز، وأن فنزويلا ليست مورداً رئيسياً للمخدرات إلى الولايات المتحدة مقارنة بجيرانها. بكل بساطة، هذه سرقة علنية أمام أعين العالم أجمع. إن إفلاس ترامب الأخلاقي يتجلى بوضوح في عام 2026، وهو عام آخر سيُخلد في الذاكرة كعار.

عواقب دولية وخيمة
هل أخبره أحد في إدارة ترامب الفاسدة أن ما فعله ليس فقط غير أخلاقي وغير قانوني، ويتنافى مع كل ما تمثله أمريكا، بل ستكون له تداعيات دولية وخيمة طويلة الأمد على الولايات المتحدة ؟ ولعجزه عن إدراك العواقب الوخيمة لفعله الشنيع، كان ينبغي إخبار ترامب بأن خروجه عن القانون، على أقل تقدير، سيؤدي إلى ما يلي:

1. تسريع ردود الفعل السلبية في أمريكا اللاتينية وإعادة تنظيم التحالفات الإقليمية بعيدًا عن واشنطن، حيث ستلجأ الحكومات إلى قواعد عدم التدخل وتجميد التعاون واستكشاف ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة مع البرازيل أو المكسيك أو تكتلات من خارج نصف الكرة الأرضية الغربي.

2. تعميق التنسيق الإستراتيجي بين الصين وروسيا في نصف الكرة الغربي، بما في ذلك توسيع الشراكات العسكرية والطاقة والتكنولوجيا مع الحكومات التي تشعر بالقلق إزاء سلوك الولايات المتحدة “الهيمني” وتبحث عن حلفاء موازين.

3. تقويض مصداقية الولايات المتحدة في القانون الدولي وإضعاف قدرة واشنطن على حشد تحالفات بشأن أوكرانيا وتايوان والأزمات المستقبلية، حيث يستشهد النقاد بفنزويلا لرفض مناشدات الولايات المتحدة الرجوع لميثاق الأمم المتحدة.

4. زيادة العزلة الدبلوماسية والقانونية في المحافل متعددة الأطراف، بما في ذلك القرارات المعارضة في الأمم المتحدة، والضغوط في منظمة الدول الأمريكية، وتجدد الدعوات لتقييد حق النقض الأمريكي ومبادئ استخدام القوة.

5. خطر تصعيد الدعاوى القضائية والملاحقات القضائية العالمية ضد المسؤولين الأمريكيين في المحاكم الأجنبية، بالإضافة إلى تجدد الحملات لإخضاع سلوك الولايات المتحدة لتدقيق المحكمة الجنائية الدولية على الرغم من عداء الولايات المتحدة لمحكمة لاهاي.

6. تأجيج موجات اللاجئين والهجرة في المنطقة مما يُرهق الدول المجاورة ويُغذي الروايات القائلة بأن النزعة العسكرية الأمريكية تُسبب بشكل مباشر حالات طوارئ إنسانية في نصف الكرة الأرضية.

7. إلحاق ضرر طويل الأمد بسمعة الولايات المتحدة وتصويرها كجهة مُستغلة للنفط في دولة أخرى، مما يُعقد دبلوماسية الطاقة ومفاوضات التحول الأخضر ونظرة دول الجنوب العالمي لأي مبادرات اقتصادية أمريكية.

إجراءات يجب على الديمقراطيين اتخاذها
ينبغي على الديمقراطيين في الكونغرس وحكام الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية، بالإضافة إلى العدد المتزايد من المسؤولين الجمهوريين الذين خاب أملهم في سياسات ترامب الفاشلة، اتخاذ إجراءات فورية لعرقلة، إن لم يكن منع، ترامب من المضي قدمًا في مخططه المشؤوم تجاه فنزويلا. ولا ينبغي لسيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ أن تثني الديمقراطيين عن التحرك السريع وتشجيع النقاش العام والمعارضة، لا سيما مع انطلاق حملات انتخابات التجديد النصفي.

يجب على الديمقراطيين فرض تصويت فوري على صلاحيات الحرب، ليس فقط لإنهاء الأعمال العدائية في فنزويلا، بل أيضًا لمنع ترامب من مهاجمة أي دولة أخرى، بما في ذلك كوبا وكولومبيا، التي سبق أن لوّح بها، وربط أي مخصصات دفاعية أو تكميلية بحظر صارم لأي تصعيد إضافي. وحتى وإن لم ينجح الديمقراطيون، فإن هذا سيضع الجمهوريين في موقف حرج، حيث سيحاولون الدفاع عما لا يُدافع عنه، وقد يشجع آخرين على الانشقاق.

ثانيًا، ينبغي للديمقراطيين أن يبادروا بقوة إلى عقد جلسات استماع علنية وتحقيقات من قبل المفتش العام بشأن تخطيط العملية ومبرراتها القانونية وعقودها، وأن يصدروا أوامر استدعاء وإحالة المسؤولين غير الممتثلين في إدارة ترامب إلى المحكمة بتهمة ازدراء المحكمة. وبغض النظر عن مدى محدودية نجاح الديمقراطيين، فإن رفع مستوى الوعي العام أمر بالغ الأهمية، لا سيما الآن وقد وصلت شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها.

ثالثًا، ينبغي عليهم رفع دعاوى قضائية اتحادية منسقة للطعن في دستورية العملية والسعي للحصول على أوامر قضائية لمنع أي عمل عسكري إضافي ما لم يُصرّح به الكونغرس صراحةً. وحتى لو استمر ترامب في تحدي الكونغرس، فإن إثارة نقاش عام خلال انتخابات التجديد النصفي سيشجع المزيد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين على الإنشقاق.

رابعًا، ينبغي على الديمقراطيين تقديم تشريع ملزم يُضيّق نطاق تفويض استخدام القوة العسكرية الصادر في عام 2001 ويُقنّن القيود المفروضة على عمليات تغيير الأنظمة من جانب واحد، ويُلزم بموافقة الكونغرس على أي عملية “توطيد” أو احتلال للأراضي الفنزويلية. يُتيح هذا فرصةً لوضع حدودٍ أدقّ لاستخدامهم للقوة العسكرية بما يضمن تحديد استخدام القوة في المستقبل بشكلٍ أكثر دقة.

خامساً، ينبغي على حكام الولايات الديمقراطيين استخدام سلطتهم على نشر الحرس الوطني ورفض مشاركة الحرس “التطوعية” في العمليات الفنزويلية والتصدي قضائيّا ً لأي محاولاتٍ فيدرالية لتجنيد وحداتٍ في مهامٍ هجومية. في الواقع، يشعر حكام الولايات الديمقراطيون بالإشمئزاز من إرسال ترامب الجريء للقوات إلى مدنهم؛ ولديهم فرصةٌ لمنعه من مزيدٍ من السيطرة، لا سيما أنه لا يستطيع تفعيل قانون الحرب.

وأخيراً، ينبغي على الديمقراطيين تصعيد الضغط السياسي والإنتخابي من خلال تنسيق الرسائل ومراجعة القرارات والتعهد بربط أي مصادقاتٍ أو معاهداتٍ مستقبليةٍ بالتراجع عن سياسات فنزويلا واستعادة صلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب.

يجب على الرأي العام دق ناقوس الخطر
للرأي العام الأمريكي دورٌ محوريٌ في منع ترامب من تصعيد العملية في فنزويلا، بل وحتى عكسها.

ينبغي على الشعب الأمريكي تنظيم احتجاجات ومسيرات ووقفات احتجاجية سلمية ومستمرة، تطالب صراحةً بإنهاء العمليات العسكرية في فنزويلا وترفض احتلال الولايات المتحدة أو سيطرتها على النفط الفنزويلي. كما ينبغي حشد الدعم والتواصل مع أعضاء الكونغرس عبر المكالمات والرسائل وزيارات مكاتبهم في الدوائر الإنتخابية بالإضافة إلى الضغط عليهم في اجتماعات المجالس المحلية للمطالبة بالتصويت لإنهاء الأعمال العدائية.

ينبغي بذل جهود حثيثة لدعم أصوات المحاربين القدامى وعائلاتهم وأفراد الجالية الفنزويلية في الخارج عبر وسائل الإعلام والمقالات والمواقع المحلية ومنصات التواصل الإجتماعي لتصوير الحرب على أنها غير أخلاقية وغير قانونية وكارثية استراتيجياً. كذلك، يُعدّ توجيه التبرعات والتطوع وتشكيل تحالفات مناهضة للحرب قادرة على تنظيم أيام للضغط السياسي ورفع دعاوى قضائية وتنظيم أيام عمل وطنية ضد التدخل أمراً بالغ الأهمية.

وينبغي على النشطاء استغلال قوتهم الإنتخابية بفعالية من خلال إعطاء الأفضلية للمرشحين المناهضين للحرب في الإنتخابات التمهيدية والعامة، والمطالبة باستقالة المسؤولين المحليين الذين يهللون للغزو، مع الضغط على المجالس البلدية والجامعات والنقابات والجمعيات المهنية لإصدار قرارات تدين الغزو.

وأخيرًا، لديّ كلمة أو كلمتان لكل مسؤول جمهوري على المستويات الفيدرالية والولائية والمحلية يلتزم الصمت إزاء هذه المهزلة. صمتكم ليس وطنية، بل خيانة لكل ما دافعت عنه هذه الأمة العظيمة. سيرحل ترامب عاجلًا أم آجلًا، لكنكم ستعيشون مع الخزي لافتقاركم إلى الشجاعة لاتخاذ موقف حاسم في وقتٍ يُهدد فيه مستقبل بلادكم.