+
أأ
-

سقوط إيران...ما بين وهم الارتياح الجيوسياسي وخطر السيولة الجيواستراتيجية

{title}
بلكي الإخباري

البرفسور عبد الله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

في الشرق الأوسط، لا تُقاس التحولات بحجم الحدث، بل بعمق الفراغ الذي يخلّفه. وحين نتحدث عن احتمال سقوط النظام الإيراني، فإننا لا نناقش تغييرًا سياسيًا داخليًا بقدر ما نلامس احتمال اختلال أحد اركان استقرار النظام الإقليمي. فإيران، على مدى أربعة عقود، لم تكن مجرد دولة مثيرة للجدل، او مصدر اضطرابات فقط، بل كانت ايضاً، ركيزة رئيسية في بنية توازن مضطربة. ومع كل ما مثّلته من تهديدات وصراعات، وويلات على بعض الدول، وسعيه لبناء هلال إيراني متكامل، غير آبه باستقرار الاخرين، الا ان وجودها كان جزءًا من نظام يمكن توقعه، أو على الأقل فهم منطق حركته وايديولوجيته.

قد يبدو المشهد، للوهلة الأولى، مريحًا لبعض العواصم، لكن التجربة التاريخية تقول شيئًا آخر تماماً، ان إزالة قوة مركزية لا تعني الاستقرار، بل غالبًا تعني الفوضى.

السؤال الحقيقي إذاً، ليس هل يمكن أن يسقط النظام الإيراني؟ بل، ماذا يكون انعكاس وارتداد ذلك إذا حدث فعلًا؟

التاريخ يُظهر لنا أن اللحظات الأخطر لا تأتي مع وجود الخصوم، بل مع اختفائهم المفاجئ.

إسقاط الأنظمة، كما أثبتت التجربة الأمريكية في العراق عام 2003، مهمة عسكرية سريعة، لكن إدارة ما بعد السقوط هي التحدي الحقيقي. بين عامي 2006 و2014، غرق العراق في حرب طائفية، ثم ظهر تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر عام 2014 على مساحات تعادل حجم بريطانيا، لم يكن ذلك بسبب قوة التنظيم، بل بسبب الفراغ الذي تركه غياب الدولة المركزية.

وإيران اليوم، رغم كونها مصدر اضطراب، تمثل أيضًا جزءًا من بنية التوازن الإقليمي. سقوطها المفاجئ لا يعني اختفاء الصراع، بل تحوله من صراع مُدار إلى صراع مفتوح بلا ضوابط. إيران، دولة متعددة القوميات، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 40–45% من السكان ينتمون إلى أقليات إثنية (أذريون، أكراد، عرب، بلوش، وغيرهم)، في مثل هذه الدول ما يربط هذا التنوع ليس عقدًا اجتماعيًا متينًا، بل سلطة مركزية قوية، ولا يؤدي انهيار المركز إلى انتقال سياسي هادئ، بل على الاغلب، إلى انفجار مطالب مؤجلة، كما حدث في يوغوسلافيا خلال التسعينيات، حين أدى تفكك الدولة إلى أكثر من 130 ألف قتيل، وكما حدث في ليبيا بعد 2011، حين تحولت الدولة إلى ساحة ميليشيات وسلاح عابر للحدود، وسوريا، حيث تشرد أكثر من 12 مليون شخص وغيّرت التوازنات في الشرق الأوسط وأوروبا معًا.

إذا انهار النظام الإيراني دون بديل متماسك، سيكون أثره الفوري في إيران بكل تأكيد، لكن السؤال لن يكون من يحكم طهران، بل من يمنع تفككها. وحين تتفكك دولة بحجم إيران، فإن الصدمة لا تبقى داخل حدودها، بل تنتقل إلى العراق وسوريا ولبنان، واليمن، لا بل قد تطال دول الخليج وتركيا وغيرها من دول اسيا والقرن الافريقي. كما قد لا يؤدي تراجع النفوذ الإيراني إلى استعادة الدولة، بل إلى صراعات داخلية جديدة، أشد تعقيدًا وأقل قابلية للاحتواء.

تفكك إيران، إن حدث، لن يبقى شأنًا داخليًا، بل من المحتمل ان تشهد المنطقة برمتها فوضى عارمة ستعيد تشكيل الواقع الجيوسياسي بقواعد واسس غير المألوفة، كما في السابق، والأخطر انها قد تتجاوز قدرة بعض الأنظمة في الإقليم على التكيف مع تداعيات هذه الفوضى، والتي قد تتدحرج كقطع الدومينو، لا بل قد تكون اشبه بهدم المعبد بالكامل. انه زلزالًا جيوسياسيًا يمتد من الخليج إلى القوقاز، ومن شرق المتوسط والقرن الافريقي إلى آسيا الوسطى.

التاريخ يشير الى ان إزالة النفوذ في الشرق الأوسط، لا تعني تلقائيًا عودة السيادة.

في العواصم العربية التي شهدت نفوذًا إيرانيًا واسعًا، قد يُستقبل سقوط نظام طهران بالارتياح. لكن السؤال الأهم، هل سيكون هناك من يملأ الفراغ بسهولة؟

في العراق، ملأت إيران فراغًا تركه الانسحاب الأمريكي عام 2011، وخروجها المفاجئ قد يعيد البلاد إلى صراع الميليشيات، بدل من المحاولات الجارية لإعادة بناء الدولة.

في سوريا، يشكّل الدور الإيراني جزءًا من المعادلة، حتى بعد سقوط النظام قبل عام. غيابه لا يعني نهاية الحرب، بل قد يعني فتح جولة جديدة منها.

أما لبنان، فقد شهد انهياراً اقتصادياً تاريخياً، حيث انكمش الناتج المحلي بأكثر من 60% بين عامي 2019 و2022. وهذا يقدم مثالًا حيًا على أن غياب المركز لا يعني تلقائيًا عودة السيادة، بل قد يعني العودة الى طريق الصراعات المفتوحة، في ظل وجود حزب الله، والمتمسك بوجوده على الساحة، رغم الثمن الذي دفعه.

حتى إسرائيل، التي سيظهر لديها ارتياح تكتيكي، الا انه مقرون بقلق استراتيجي. ستبدو ظاهريًا من بين المستفيدين على المدى القصير، وتدرك أن مكاسبها ستكون تكتيكية وقوية في تراجع او انهاء البرنامج النووي الإيراني، وانحسار شبكات النفوذ المعادية، مكاسب لا يمكن إنكارها، الا انها لن تكون استراتيجية على الاغلب. إسرائيل، بخبرتها الأمنية، تدرك قاعدة ثابتة، الدول يمكن ردعها، أما الفوضى فلا. والتجربة الإسرائيلية بعد الربيع العربي أظهرت أن تراجع التهديدات التقليدية ترافق مع صعود أخطار غير متوقعة من مساحات خارجة عن السيطرة. غزة، وجنوب لبنان، وسوريا، والسودان، واليمن، والصومال، وليبيا، أمثلة واضحة على أن الفراغ يولد أخطاراً أسرع من أي دولة منظمة.

أما دول الخليج، قد تجد نفسها أمام لحظة تاريخية، فرصة محفوفة بالمخاطر، وهي التي أنفقت أكثر من 120 مليار دولار على الدفاع عام 2023، جزء كبير منه مرتبط بمواجهة إيران. تراجع التهديد الإيراني، قد يفتح الباب أمام، إعادة توجيه الموارد نحو التنمية، وتعزيز الدبلوماسية الإقليمية. الا انها في ذات الوقت تقف أمام معادلة مزدوجة، تراجع تهديد إيراني مباشر، مقابل احتمال فوضى على الضفة الأخرى من الخليج، حيث يمر نحو 20% من النفط العالمي عبر مضيق الخليج العربي، ستنعكس فورًا على أسواق الطاقة العالمية، لا الإقليمية فقط، وهنا، يتحول الأمن من مسألة ردع عسكري إلى مسألة إدارة فراغ جيوسياسي مفتوح.

تركيا بدورها تتحرك ببراغماتية حذرة، ضمن طموح محسوب وحدود صارمة. فهي ترى في ضعف إيران فرصة لتوسيع النفوذ في القوقاز وآسيا الوسطى. لكنها تخشى أن يتحول تفكك إيران إلى تهديد مباشر عبر تصاعد المسألة الكردية. لذلك، سيكون سلوك أنقرة بحذر شديد، توسّع دون اندفاع، نفوذ دون فوضى. فالتاريخ علّمها أن انهيار الدول المجاورة لا يكون نعمة طويلة الأمد.

وفي الخلفية، تعود القوى الكبرى إلى المسرح وبقوة غير مسبوقة. الولايات المتحدة تسعى إلى استقرار قابل للإدارة لا إلى مغامرات أيديولوجية جديدة، وروسيا تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها وحلفاءها، بينما تراقب الصين المشهد بقوة، فايران مصدر مهم للطاقة، وهي تستورد أكثر من 40% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، وستضع أمن الطاقة فوق كل اعتبار. مرة أخرى، يصبح الإقليم ساحة تنافس دولي، لكن في هذه المرة، تنافس بلا قواعد، وبلا مشروع استقرار إقليمي شامل.

وسط هذا المشهد المتشظي، يبرز الأردن كنموذج مختلف. دولة محدودة الموارد، لكنها تمتلك رأسمالاً استراتيجيًا نادرًا، وهو الاستقرار. المخاطر التي تحيط به حقيقية (ضغوط اقتصادية وسياسية، وتحديات أمنية، ومحيط هش ومضطرب)، لكن قدرته التاريخية على قراءة التحولات، والمحافظة على تماسك الداخل، وتجنّب الاصطفافات الحادة، قد تمنحه فرصة للتحول من متلقٍّ للصدمات إلى لاعب توازن في مرحلة سيولة شاملة، تتأكل فيها الدول.

في شرق أوسط يفقد بوصلته، تصبح القدرة على البقاء إنجازاً استراتيجياً.

في النهاية، إذا سقط النظام الإيراني، فلن يتنفس الشرق الأوسط الصعداء. إن حدث هذا، لن تكون لحظة خلاص من الايدولوجيا والسعي للتمدد والنفوذ، بل لحظة امتحان قاسٍ للجميع. امتحان للمنطقة التي اعتادت إسقاط الخصوم دون بناء البدائل، وامتحان للقوى الكبرى التي لطالما راهنت على أن إزالة القوة كافية لإنتاج الاستقرار. انها مرحلة جديدة من السيولة الجيواستراتيجية، حيث كل شيء قابل للتغير، وكل خطأ سيكون مكلف جداً (امنياً واقتصادياً وجيوسياسياً).

التاريخ يقول ان الفراغ لا ينتظر الحكماء طويلًا، بل يُملأ سريعًا بالصراعات. وحين ينكسر أحد أعمدة التوازن فجأة، لا يبقى السقف قائمًا بالقوة وحدها، بل بالحكمة التي تسبقه، لا التي تأتي بعد فوات الأوان.

وهنا يظهر السؤال الأخطر، والذي يجب أن تجيب عليه بعض العواصم العالمية والاقليمية، ليس هل نريد سقوط النظام في إيران؟ بل، هل نحن مستعدون لشرق أوسط بلا توازن، وبلا ضمانات وبسيولة جيوسياسية؟ وهل المنطقة قادرة على ان تتحمل كلفة الفوضى المقبلة على المنطقة، لأن أخطر لحظة في السياسة الدولية ليست حين تُساء استخدام القوة، بل حين تختفي فجأة.