بين الالتزام والنظام: تأملات في فلسفة التعامل داخل المجتمع الأمريكي

كتب الناشر - تختلف الثقافة الأمريكية في جوهرها عن ثقافتنا العربية القائمة على العاطفة المفرطة والمجاملة؛ فهي ثقافة تحكمها "المؤسسية" والوضوح التام، حيث يُعتبر الوقت والخصوصية مقدسات لا تقبل التجاوز. ففي أمريكا، لا يحق لك زيارة صديق دون موعد مسبق ومحدد، وإذا ما اعتذر الصديق عن استقبالك، يُقبل الأمر برحابة صدر كحق طبيعي له، ولا تجد المعتذر عنه يكتب منشورات عتاب عبر "فيسبوك" أو يختم كلامه بعبارة "مقصودة"، لأنهم يفصلون تماماً بين تقدير الشخص وبين ظروفه الخاصة.
خلال مشاركتي في برنامج "الزائر الدولي" (IVLP) باستضافة من الخارجية الأمريكية، سنحت لي الفرصة للغوص في عمق هذه الثقافة التي قد تبدو لنا غريبة. أتذكر أنه تمت دعوتنا لتناول العشاء في جامعة كنساس، وساد اللقاء جو من الحفاوة، لكننا فوجئنا بعد يومين بطلب رسمي لسداد فاتورة ذلك العشاء! وبالفعل، قمنا بتجميع المبلغ وإرساله للجامعة. هنا تدرك أن "الدعوة" لديهم لا تعني بالضرورة "الاستضافة المالية"، بل هي تنظيم لنشاط اجتماعي يلتزم فيه كل طرف بتبعاته المادية.
وفي موقف آخر يعكس صرامة الالتزام بالقواعد، تمت دعوتي لتناول العشاء في منزل شخصية سياسية مرموقة. وعندما أخرجت سيجارة، طلب مني المضيف بكل هدوء وحزم أن أدخن في الخارج، رغم أن درجة الحرارة حينها كانت تصل إلى (12 تحت الصفر). لم يشفع لي كوني ضيفاً، ولم تمنعه برودة الجو من تطبيق "قانون المنزل"؛ فالمبادئ والقواعد هناك تسمو فوق الأشخاص والظروف.
إن فهمنا لهذه العقلية، بما في ذلك ما يتم تداوله عن مواقف السفير أو الدبلوماسيين الأمريكيين، يجعلنا ندرك أن تصرفاتهم ليست جفاءً أو بخلاً، بل هي اتساق مع منظومة ثقافية تقدس النظام والوضوح فوق كل اعتبار.

















