التشويش، العزلة، والاحتجاجات: خريطة الضغط على إيران

د.عامر سبايلة
الاستعدادات العسكرية الأميركية في المنطقة مستمرة، والهدف إيران. خلال الأسبوع الفائت، اتخذت الولايات المتحدة خطوات عملية دفعت الجميع إلى ترقّب لحظة الصفر لتوجيه ضربة عسكرية. صحيح أن هذه الخطوات أوحت بأن الضربة باتت وشيكة، إلا أن التراجع الظاهري فتح باب التساؤلات حول الموقف الأميركي: هل انتهى الخيار العسكري، أم أن ما جرى جزء من إدارة محسوبة للمشهد؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتهج سياسة قائمة على صناعة التشويش لدى الطرف الآخر. فالتصريحات المتناقضة والمتتابعة تزيد من ضبابية الصورة، وتُربك حسابات الخصم. ففي الوقت الذي أشارت فيه كل الاستعدادات إلى قرب توجيه ضربة لإيران، خرج ترامب ليعلن أن طهران تراجعت عن الإعدامات، وأنها ستُمنح فرصة إضافية. غير أن ذلك لم يترافق مع أي تراجع فعلي في الاستعدادات العسكرية، إذ استمر حشد الآلة العسكرية الأميركية لعملية ذات طابع هجومي.
هذا الأسلوب ليس جديدًا على ترامب. فقد استخدم المنهج ذاته في الملف الفنزويلي، من خلال اتصالات سياسية سبقت العملية الحاسمة، كما تكرّر خلال حرب حزيران الماضية، حين سبقت الضربة الأميركية بطائرات B-2 سلسلة من التصريحات المتناقضة، انتهت باستهداف منشآت نووية إيرانية. الهدف في كل هذه الحالات كان واضحًا: إرباك الخصم، واستنزافه نفسيًا وأمنيًا، ودفعه إلى اتخاذ خطوات دفاعية مكشوفة.
منطقيًا، تسير الأمور باتجاه عزل إيران وإطباق الحصار عليها، في وقت تتفاقم فيه أزمتها الداخلية إلى مستويات غير مسبوقة. فالإنذار الأميركي الأخير دفع إلى موجة انسحابات، شملت تفريغ سفارات أوروبية، وتوجيه انتقادات علنية للنظام الإيراني بسبب تعامله مع الاحتجاجات. ما يعني أن العزلة السياسية اكتملت، فيما بقيت الأزمة الداخلية بلا حلول، وبقي الخيار العسكري حاضرًا في الأفق.
في الواقع، قد لا يكون توقيت تنفيذ عملية عسكرية وفق الطريقة التي يفضّلها ترامب قد حان بعد. فالاحتجاجات مستمرة، وإضعاف النظام من الداخل يتواصل، ما يجعل الضربة خيارًا قائمًا دائمًا، لكن توقيتها يخضع لحسابات دقيقة. عامل الوقت اليوم قد يكون في صالح واشنطن، لتفادي سيناريو فوضى شاملة أو ردود عسكرية غير مرغوبة.
ترامب لا يريد حروب استنزاف طويلة، ولا يرغب بتكرار النموذج العراقي؛ هدفه إحداث تغيير بأقل كلفة وفي أسرع وقت، كما حاول في فنزويلا، وهو ما يسعى إلى تحقيقه في الحالة الإيرانية.
ترجمة هذا المنهج تتمثل في الاستعداد للحرب كأداة لفرض الرؤية السياسية، والتهديد بالقوة لتطويع الخصوم، وهو ما تفعله إدارة ترامب حاليًا. لكن لا يمكن فصل التعاطي الأميركي مع إيران عن البعد الإسرائيلي. فإسرائيل حاضرة بقوة في المشهد الإيراني، وتعمل بشكل متواصل على تفكيك الجبهات التي أنشأتها طهران خلال السنوات الماضية، وصولًا إلى استهداف الجبهة المركزية: إيران نفسها. وهذا يعني أن أي قرار عسكري، أو شكل ما بعد الضربة، هو نتاج تنسيق كامل بين الطرفين.
صحيح أن إيران هدّدت بالرد على المصالح الأميركية والخليجية واستهداف إسرائيل، إلا أن الإجراءات الأميركية والإسرائيلية، من تفريغ قواعد عسكرية إلى نشر منظومات دفاع جوي، عكست تعاملًا جديًا مع هذه التهديدات. وفي الوقت نفسه، يمكن النظر إلى هذه التحركات بوصفها غطاءً لعملية استخباراتية واسعة، إذ دفع الاقتراب من ساعة الصفر إيران إلى تفعيل مختلف سيناريوهات الطوارئ، من تحركات في اليمن والعراق إلى إجراءات داخلية، وهي خطوات جرى رصدها بدقة.
ما يجري اليوم يوحي بأن التعامل مع إيران دخل مرحلته النهائية. فقد سبق ذلك توجيه ضربات قاصمة لأذرعها الإقليمية، وتجريدها من القدرة على توظيف الجغرافيا المحاذية لإسرائيل، ثم حرب الأيام الاثني عشر التي فتحت المجال لاختراق غير مسبوق للأجواء والأراضي الإيرانية. ومع الاحتجاجات الأخيرة، بات المشهد مختلفًا كليًا، خصوصًا مع بقاء الخيار العسكري الأميركي مطروحًا.
باختصار، عامل المفاجأة لا يزال حاضرًا، والخروج من هذه المرحلة من دون إحداث تغيير في إيران يبدو احتمالًا ضعيفًا. ورغم تعقيد إستراتيجية التشويش، يبقى خيار تنفيذ عملية لإحداث تحول إستراتيجي هو الأكثر واقعية في حسابات واشنطن وتل أبيب


















