+
أأ
-

م. سعيد بهاء المصري يكتب : داڤوس: مرابط خيول الغرب المنقسم

{title}
بلكي الإخباري

لم يعد منتدى داڤوس، في دوراته الأخيرة، ساحة لتبادل الأفكار حول مستقبل العولمة، بقدر ما أصبح مرآةً لانقسام الغرب على ذاته، ومرابطَ خيولٍ تستعرض كل دولة فيها قوتها قبل أن تخوض سباق البقاء في نظام اقتصادي عالمي آخذٍ في التفكك. فخطابات القادة، وإن تشابهت في اللغة، إلا أنها اختلفت جذريًا في الفلسفة والغايات، كاشفةً أن ما كان يُعرف يومًا بـ«النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي» لم يعد قائمًا إلا بوصفه ذكرى سياسية أكثر منه واقعًا عمليًا.

في قلب هذا التحول، تبرز النظرية الأميركية الجديدة للأمن الاقتصادي القومي، والتي لم تعد تخفي قطيعتها مع منطق العولمة المفتوحة. فالولايات المتحدة، الدولة التي قادت تحرير التجارة منذ نهاية الحرب الباردة، باتت اليوم ترى أن السوق الحر، حين يُترك بلا ضوابط، لا يحمي المجتمع ولا يصون الاستقرار السياسي، بل يعرّض الدولة نفسها لمخاطر استراتيجية تمسّ أمنها القومي.

الولايات المتحدة: اقتصاد القوة لا اقتصاد القواعد

الطرح الأميركي، كما ظهر في داڤوس، يقوم على إعادة توطين القطاعات الحساسة داخل الداخل الأميركي، ليس بدافع الحماية الاجتماعية فقط، بل انطلاقًا من عقيدة أمن قومي جديدة ترى في الصناعة، والتكنولوجيا، والطاقة، والغذاء، أدوات سيادة لا سلعًا تجارية محضة. وقد سخّرت واشنطن لذلك كامل قدراتها المالية والنقدية: دعم مباشر للصناعة، حوافز ضريبية ضخمة، تعريفات جمركية انتقائية، وتشريعات إغلاقية مغلّفة بلغة "المرونة الاستراتيجية”.

هذا التوجه لم يبقَ في إطار الخطاب، بل تُرجم إلى سياسات تمويلية واسعة، إذ خُصِّص لقانون الرقائق والعلوم ما يقارب 52 مليار دولار لدعم تصنيع وأبحاث أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة، فيما وفّر قانون خفض التضخم حوافز ضريبية واستثمارية للطاقة والصناعات النظيفة تجاوزت 370 مليار دولار، يضاف إليها إنفاق بنيوي ضخم ضمن قانون البنية التحتية، ما أسهم في تحفيز استثمارات خاصة تقدَّر بأكثر من تريليون دولار في القطاعات الاستراتيجية خلال فترة قصيرة.

العجز المتنامي في الموازنة الأميركية لم يعد يُنظر إليه كمشكلة، بل كأداة إدارة نفوذ. ففي السنة المالية 2025، تجاوز العجز الفيدرالي 1.7 تريليون دولار، فيما تخطّى إجمالي الإنفاق العام 7 تريليونات دولار، دون أن يترجم ذلك إلى أزمة تمويل أو ضغط سياسي داخلي، بفضل موقع الدولار كعملة احتياط عالمية، وقدرة الخزانة الأميركية على الاستدانة شبه المفتوحة. هذا الواقع مكّن الولايات المتحدة من تمويل تحولها الحمائي دون أن تدفع ثمنه اجتماعيًا في المدى القصير.

وهنا تحديدًا يكمن جوهر الاختلال العالمي الجديد: نموذج يمكن لدولة واحدة أو اثنتين تحمّله، لكنه مدمّر حين يُعمَّم.

أوروبا: بين مطرقة الواقع وسندان المبادئ

على الضفة الأخرى، يقف الاتحاد الأوروبي في وضع بالغ التعقيد. فهو من حيث المبدأ، لا يزال يدافع عن التجارة الحرة، وقواعد المنافسة، والحوكمة الاقتصادية، لكنه من حيث الواقع، اضطر إلى انتهاج سياسات دعم واسعة للطاقة والصناعة والزراعة، استنزفت جزءًا كبيرًا من مدخراته المالية. فقد ضخت الدول الأوروبية منذ أزمة الطاقة في 2022 ما يزيد على 800 مليار يورو في دعم مباشر وغير مباشر لحماية المستهلكين والصناعة.

وفي محاولة للحاق بالتحول الأميركي، أطلق الاتحاد "قانون الرقائق الأوروبي”، الذي عبّأ استثمارات عامة وخاصة تتجاوز 80 مليار يورو لتعزيز تصنيع أشباه الموصلات داخل القارة، إلا أن هذا الدعم بقي محكومًا بقيود صارمة تتعلق بقواعد المنافسة وتباينات القدرات المالية بين الدول الأعضاء.

أوروبا لا تملك امتياز العملة العالمية، ولا تستطيع تمويل عجز مفتوح دون انعكاسات تضخمية واجتماعية حادة. فمتوسط الدين العام في منطقة اليورو تجاوز 90٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مع فروقات حادة بين دول المركز ودول الأطراف. والنتيجة أن أوروبا تجد نفسها في موقع دفاعي: تحاول حماية صناعاتها دون أن تمتلك الأدوات الأميركية نفسها، وتدعو إلى نظام عالمي قائم على القواعد بينما تُجبرها الأزمات على اتخاذ قرارات قومية ضيقة.

الدول الغربية المتوسطة: الانكشاف الصامت

أما الدول الغربية المتوسطة والصغيرة، داخل أوروبا وخارجها، فقد وجدت نفسها الأكثر تضررًا. فهي لا تملك لا قوة التمويل الأميركي، ولا عمق السوق الأوروبية الكبرى، ولا مرونة إعادة التموضع السريع. هذه الدول باتت تدفع كلفة مزدوجة: ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع فرص التصدير، وتشدد شروط الدخول إلى الأسواق الكبرى.

العولمة التي كانت تتيح لهذه الدول النفاذ إلى الأسواق عبر الميزة النسبية، تلاشت عمليًا، ومع تراجع التجارة الحرة لم تعد هذه الاقتصادات قادرة على التعويض داخليًا، فدخلت في حالة شلل استثماري وتآكل اجتماعي صامت.

العالم الثالث: خارج السباق… داخل العاصفة

في العالم النامي، تبدو الصورة أكثر قتامة. فالدول ذات الاقتصادات الهشة وجدت نفسها فجأة خارج قواعد اللعبة. لا قدرة لديها على الدعم المالي واسع النطاق، ولا إمكانية لتحمّل إغلاق الأسواق، ولا أدوات نقدية تمكّنها من شراء الوقت.

حتى الدول النفطية، رغم وفرة مواردها، ليست بمنأى عن الخطر. فالدعم المؤسسي طويل الأمد، إن لم يتحول إلى تنويع إنتاجي حقيقي، يصبح استنزافًا مؤجلًا في عالم يعاد تشكيله على أسس الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة.

عالم يُعاد تشكيله بلا بوصلة أخلاقية

ما يجري اليوم ليس مجرد انتقال اقتصادي، بل تفكك أخلاقي للنظام العالمي. حين تتحول الدولة إلى لاعب اقتصادي شرس، وحين تُختزل التجارة في أداة نفوذ، وحين تُستبدل القواعد بالقوة، يصبح ملايين البشر خارج الحسابات.

كيف يمكن إعادة دفة الاقتصاد العالمي إلى جادة الصواب؟

إعادة التوازن لا تعني العودة إلى عولمة ساذجة، ولا قبولًا بحمائية متوحشة، بل تتطلب مسارًا ثالثًا أكثر عقلانية يعيد وضع كرامة الإنسان في صلب السياسات الاقتصادية.

خاتمة

داڤوس لم يعد مكانًا لصياغة التوافقات، بل شاهدًا على انهيارها. وإذا استمر العالم في هذا المسار، فإن الانقسام الاقتصادي سيتحول إلى انقسام اجتماعي وسياسي أشد خطورة. وحده الاعتراف بأن الاقتصاد ليس حلبة صراع، بل أداة حياة، يمكن أن يعيد للقافلة اتجاهها… قبل أن تتبدد الخيول وتضيع الطريق