التربية اليوم يكتب : الأب عماد الطوال

الأب عماد الطوال- ماركا الشمالية
في كل نقاش تربوي نسمع العبارات نفسها تتكرر، المستوى تراجع، القيم تغيّرت، الجيل لم يعد كما كان، تتجه الأصابع سريعًا نحو الأهل أو المعلمين، وكأن التربية خطأ فردي يمكن اختزاله في شخص أو جهة، لكن ما نغفله غالبًا هو الصورة الأوسع فالتربية اليوم تُمارَس في مناخ مثقل بالمطالب، فقير بالدعم وقاسٍ في أحكامه.
الأهل يُطلب منهم أن يربّوا أبناءً متوازنين في عالم مضطرب وأن ينجحوا في أداء هذا الدور وسط ضغوط اقتصادية متزايدة وتسارع في إيقاع الحياة وقلة في الوقت وتناقض في النصائح والمرجعيات، في المقابل يُنتظر من المعلم أن يصنع الفارق داخل الصف وأن يكون قدوة ومرشدًا وخبيرًا نفسيًا وأن يعالج مشكلات تعليمية وسلوكية واجتماعية بينما يعمل في بيئة تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، الجميع يطالب بنتائج أفضل لكن القليل فقط يتوقف ليسأل كيف حال من يُفترض به أن يربّي؟ ومن يقف إلى جانبه حين يتعب؟
في هذا الواقع تصبح التربية معركة صامتة يخوضها الأهل والمعلمون كلٌّ على حدة، معركة لا تُرى تفاصيلها لكنها تُثقِل النفوس، ضغط التوقعات وكثرة اللوم وغياب المساحة الآمنة للاعتراف بالتعب أو طلب المساندة كلها تجعل المربّي يشعر أنه مطالب دائمًا ومقصّر دائمًا مهما حاول وبذل.
مطالب التربية لا تنتهي، الأهل مطالبون بأن يكونوا مثاليين، حاضرين دائمًا، متفهمين، صبورين، ومواكبين لكل جديد، يُلامون إن قصّروا ويُنتقدون إن أخطأوا وكأنهم يعيشون في ظروف مثالية خالية من الضغوط النفسية والاقتصادية، أما المعلم فيُطالَب بأن يكون كل شيء في آن واحد، قدوة لا تخطئ ومرشدًا لا يمل وصاحب نتائج سريعة يعمل تحت ضغط الوقت وكثرة الأعباء دون أن يُسمح له بالتعب أو الشكوى.
لكن أين يذهب هذا التعب؟ التعب في التربية لا يظهر فجأة بل يتراكم بصمت، قلة التقدير وكثرة الانتقاد وغياب الدعم الحقيقي تصنع مربّيًا منهكًا حتى وإن كان مخلصًا وصادق النية، وحين لا يجد الأهل من يسمع قلقهم ولا يجد المعلم من يسانده، يتحول الجهد إلى عبء وتفقد الرسالة معناها ويقل الحماس ويضعف التواصل وتتحول التربية من رسالة إنسانية إلى مهمة ثقيلة تؤدى بأقل طاقة ممكنة.
ما نعيشه اليوم هو سيادة ثقافة اللوم على حساب ثقافة الدعم، نلوم الأهل، نلوم المعلم، وننسى أن التربية قبل أن تكون نظامًا أو مناهج هي علاقة إنسانية، نطالب بالنتائج ولا نوفر الأدوات، نرفع الشعارات ولا نهيئ الظروف، والدعم هنا لا يعني التبرير أو التغاضي عن الأخطاء بل يعني الفهم والمساندة والتطوير وبناء بيئة تسمح بالتعلّم من الخطأ بدل الخوف منه.
وحين يغيب الدعم لا يكون الثمن بسيطًا، أهل منهكون يفقدون ثقتهم بأنفسهم ومعلمون متعبون يقدّمون الحد الأدنى لا لأنهم لا يريدون الأفضل بل لأن طاقتهم استُنزفت، كما أن غياب الدعم يخلق توترًا دائمًا في العلاقة بين البيت والمدرسة حيث يسود الشك بدل الثقة والدفاع بدل التعاون ويشعر كل طرف أنه متّهم سلفًا فيغلق أبواب الحوار.
الدعم التربوي ليس رفاهية ولا امتيازًا إضافيًا بل ضرورة، هو لا يعني إعفاء الأهل أو المعلمين من مسؤولياتهم بل تمكينهم من أدائها بوعي وثبات، فالمربّي الذي يشعر أن هناك من يفهم واقعه ويقدّر جهده يكون أكثر قدرة على العطاء وأكثر استعدادًا للتطوير، دعم الأهل يبدأ بتقديم إرشاد واقعي يناسب ظروفهم لا بإغراقهم بالنقد والشعور الدائم بالتقصير، ودعم المعلم لا يقتصر على المطالبة بالصبر والإخلاص بل يتطلب حماية مهنية ونفسية والاستماع إلى صوته في القرارات التي تمس عمله اليومي، يقول هايم جينوت "المعلّمون الذين يحبون تعليمهم يُعلّمون الأطفال حب التعلم".
المسؤولية عن هذا الدعم لا تقع على جهة واحدة، المجتمع مطالب بتغيير خطابه والانتقال من الإدانة إلى الفهم، والإدارة التربوية مطالبة بوضع سياسات إنسانية ترى الإنسان قبل الأرقام، أما البيت والمدرسة فلا يمكن لأحدهما أن ينجح دون الآخر فالشراكة الصادقة القائمة على الاحترام والحوار هي الأساس لأي تربية ناجحة.
في النهاية لا يكفي في التربية أن نرفع سقف التوقعات ونطالب بالنتائج، فالمطالب مهما كانت محقّة تفقد معناها حين تُلقى على أكتاف أشخاص منهكين دون سند، الأهل ليسوا آلات صبر والمعلمون ليسوا مخازن طاقة لا تنفد، هم بشر يحملون همومهم ويواجهون ضغوط الحياة ويحاولون رغم ذلك أن يؤدوا دورًا مصيريًا في بناء الإنسان.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس ضعف المناهج ولا تغيّر الأجيال بل ثقافة تطبيع التعب، أن نعتاد إنهاك المربّي ونطالبه بالاستمرار وكأن الإنهاك جزء طبيعي من الرسالة، التربية لا تزدهر بالجهود الفردية المعزولة بل بمنظومة تدعم من يربّي قبل أن تحاسبه وتفهمه قبل أن تطالبه، وعندما يشعر الأهل والمعلم أنهم ليسوا وحدهم في هذه المهمة الثقيلة فقط عندها يصبح من العدل أن نطالب ومن الممكن أن ننجح.















