+
أأ
-

تسهيل رحلة المستثمر.. بين توجيهات ملكية والعمل على الورق

{title}
بلكي الإخباري

نضال المجالي

من يراقب التوجيهات الملكية في ملف الاستثمار يلاحظ أنها واضحة، مباشرة، ولا تحتاج خبيرا في الفلسفة ليقرأها: «بسّطوا الإجراءات، اختصروا الطريق، وافتحوا الباب للمستثمر بدل ما يضل يدقّ ويمشي.» لكن، وكما هي العادة في عالمنا الإداري، الطريق بين التوجيه الملكي وبين التنفيذ من بعض الوزارات والدوائر المعنية يشبه الطريق الصحراوي في موسم الرياح الخماسيني: مكتوب «سالكة»، لكنك وحدك تعرف كم موجة غبار تنتظرك.

 

 

الحكومة تطلق دائما تصريحات مشجعة، والشباب المعنيون في اغلب المؤسسات المعنية يجتهدون، لكن على الورق.. بالرغم من ادعاء الرقمنة فالورق عندنا فيه نشاط أكثر من حركة السير في شارع الجامعة أو شارع المدينة الطبية وقت الذروة. كل شيء «قيد الدراسة»، «قيد المراجعة»، «قيد التحديث»، وكأننا نعيش داخل مسلسل طويل عنوانه: «الرحلة إلى توقيع الموافقة النهائية».

المستثمر يدخل من الباب وهو يحمل التفاؤل، يخرج من النافذة وهو يحمل ملفا من الملاحظات: «راجع الجهة الفلانية»، «استكمل النموذج رقم ٢/ب»، «نحتاج ختمين إضافيين، واحد مستطيل وواحد دائري»، مع ابتسامة من الموظف تقول: «هيك النظام.. وإحنا معك قلبا وقالبا.»

منذ تسلمه السلطات الدستورية والتوجيهات الملكية تؤكد أن الاستثمار هو مركب النجاة للاقتصاد، ومحرك لفرص العمل، ودعم مباشر للشباب. لكن على الأرض، الشباب منشغلون بتعديلات لا تنتهي على قانون الاستثمار وبتعبئة الجداول وصياغة التقارير ورفع المذكرات، وعرض الشرائح لنتائج وإجراءات خيالية، حتى أصبح بعضهم أثقل خبرة في الكتابة من خريجي كلية الأدب في الجامعة الأردنية. المشكلة ليست في الجهود الفردية - فهناك كثير منهم يحاول بصدق وبأقصى طاقة- بل في «متاهة الإجراءات» التي لم تُختصر بعد رغما من كل التعليمات الواضحة.

الطريف أن كل جهة تؤكد أنها قامت بما عليها، وأنها سهلت كل شيء، وأن العوائق «مش عندنا». لكن المستثمر يعرف الحقيقة: العائق موزّع بالتساوي مثل واجب مدرسي بين طلاب الصف الخامس في مدرسة من مدارس منطقة سد السلطاني ومحيطها الذين شاهدنا فيديو لنماذج منهم تؤكد عدم قدرتهم على القراءة وكتابة حتى اسمائهم في عصر ندعي فيه الرقمنة.. لا أحد يريد أن يُتهم بالتقصير، لكن النتيجة النهائية ما زالت لا تشبه التوجيهات الملكية التي تطلب السرعة والوضوح والحسم والصدق في المساءلة.

اليوم، إذا أردنا فعلا جذب الاستثمار، وتسهيل حياة المستثمر وجلب 41 مليارا حسب برنامج رؤية التحديث الاقتصادي فالحل بسيط وليس في فيديو ترويجي يتم بثه: اولا: القناعة الكاملة انها مهمة ليست متعلقة بوزارة محددة جلبا وتسهيلا حتى نتهمهم بالتقصير فالكل شريك، وثانيا: ترجمة التوجيهات الملكية من «رسائل حازمة ودائمة» إلى «خطوات ومسارات» حكومية حقيقية. وعلى الشباب المعنيين في كل موقع أن يحوّلوا شغلهم من «تقارير محفوظة» إلى «إنجازات ملموسة»، وان تكون النافذة لاستكمال المعاملات فعلا واحدة بالجهد والتوافق وغاية الاستكمال للمهمة، وليست جمع العقول الصعبة في ذات المكان، وان نتذكر كل يوم ولحظة أن المستثمرين ليسوا وقوفا في طوابير على أبواب مؤسساتنا حتى نتدلل ونفتي. حينها فقط تصبح رحلة المستثمر.. رحلة لا تحتاج بوصلة ولا صبر بدوي