+
أأ
-

ليث القهيوي يكتب :- قراءة في حدود الإصلاح الإداري

{title}
بلكي الإخباري

 

لا تُختبر أزمات الإصلاح الإداري في الأردن عند لحظة إعلان الخطط، بل عند اللحظة التي يُطلب فيها من موظف أن يتخذ قرارًا ويتحمل كلفته داخل مؤسسات اعتادت أن تتقن إدارة المخاطر أكثر مما تتقن صناعة الأثر. في السنوات الأخيرة، بدا أن الدولة تتحرك على مسار تحديث واضح: خرائط طريق، برامج تنفيذية، حديث متكرر عن رفع الكفاءة وتحسين الخدمات وتطوير الموارد البشرية. لكن المفارقة أن كثافة الأدوات لا تعني تلقائيًا اتساع هامش التغيير. فهناك منطقة رمادية تفصل بين "إصلاح ممكن نظريًا" و"إصلاح مسموح عمليًا"، وفي هذه المنطقة تتشكل معضلة أعمق من نقص الموارد أو خلل الهياكل: معضلة إدارة منظومة كاملة بمنطق الحذر بدل الثقة.

 

داخل هذه المنظومة، لا تُرفض القرارات صراحة بقدر ما تُستنزف زمنياً. لا تُمنع المبادرات بقرار مكتوب، بل تُفرغ من مضمونها عبر التواقيع المتعددة، وتدوير المسؤولية، وإحالة القرار من طاولة إلى أخرى حتى يفقد معناه أو لحظته. هكذا يتكون ما يمكن تسميته "سقف الإصلاح غير المعلن": حد لا تنص عليه القوانين، لكنه حاضر في الثقافة الإدارية وفي حسابات السلامة الشخصية والمؤسسية. وهو سقف يجعل الإصلاح مقبولًا ما دام لا يغير منطق القرار، ولا يعيد توزيع الصلاحيات، ولا يقترب من توازنات اعتادت البقاء. وهو سقف غير مكتوب، لكنه أقسى من أي نص، لأنه يُدار بالعُرف والخوف لا بالقانون.

في قلب هذا السقف يقف عامل واحد غالبًا ما يُذكر كشعار ويُغفل كبنية تشغيل: الثقة. الثقة هنا ليست قيمة أخلاقية ولا خطابًا إعلاميًا، بل آلية إدارة: من يملك القرار فعليًا؟ من يفوض من؟ وعلى أي أساس تتم المحاسبة؟ حين تغيب الإجابات الواضحة، تتضخم الرقابة لتصبح خانقة بدل أن تكون ذكية، ويتحول الهدف من تحسين الأداء إلى تجنب الخطأ. وعندما تصبح كلفة الخطأ أعلى من كلفة تعطيل القرار، تتغير السلوكيات تلقائيًا: التأجيل يصبح خيارًا عقلانيًا، واللامبادرة تصبح مهارة ناعمة، والموظف "الآمن" هو من لا يورط نفسه في قرار يمكن أن يُفسر لاحقًا ضده. بذلك تتحول المساءلة من أداة تحسين إلى أداة ردع، وتنتقل الإدارة من منطق إدارة الخطأ إلى منطق الخوف من القرار.

أكثر من يدفع ثمن هذا التحول هم القيادات الوسطى. فهي تُطلب منها نتائج، لكنها لا تُمنح سلطة كافية. تُحاسب على الأداء، لكن اجتهاداتها لا تُحمى. فتتحول عمليًا إلى منطقة امتصاص للأزمات: تتلقى ضغط الأعلى وتواجه توقعات الأسفل، بينما أدواتها محدودة ومرونتها مقيدة. وفي بيئة كهذه لا تموت المبادرة دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجيًا حتى تصبح التزامًا شكليًا: تقارير تُرفع، واجتماعات تُعقد، ومؤشرات تُعرض، دون أن يتغير منطق التشغيل الذي يقرر سرعة الإنجاز وحدوده. في هذه البيئة لا تُقتل المبادرة بقرار، بل تُترك لتنزف ببطء حتى تفقد مبرر وجودها.

هذا الواقع يفسر لماذا تنجح بعض الإصلاحات "جزئيًا" ثم تتوقف: تُحسن إجراءً هنا، وتختصر خدمة هناك، لكنها لا تمس السؤال الأكثر حساسية: كيف نعيد تصميم العلاقة بين التفويض والمحاسبة بحيث يصبح اتخاذ القرار سلوكًا مكافأً لا مخاطرة يُعاقب عليها؟ إذا بقيت المنظومة ترى القرار كتهديد محتمل، فستستبدل التغيير الحقيقي بإدارة الاستقرار، وستستخدم الإجراءات لضبط الإيقاع لا لتبديل المسار. عندها يصبح الإصلاح مظلة حديثة لاستمرار المنطق القديم، ويتحول التحديث إلى إعادة تسمية للمشكلات بدل حلها.

أما استشراف المستقبل فيتوقف على خيارين واضحين. الأول هو استمرار "التحديث الآمن" الذي يراكم الأدوات دون أن يفتح مسألة الثقة؛ وهذا سيؤدي غالبًا إلى فجوة أكبر بين توقعات المواطنين وقدرة المؤسسات على الاستجابة، وإلى تضخم بيروقراطي مغلف بلغة جديدة. والثاني هو الانتقال إلى إصلاح شجاع يعيد تعريف قواعد اللعبة: صلاحيات واضحة، محاسبة عادلة تميز بين الخطأ المهني والفساد، حماية للاجتهاد المسؤول، ومسارات قرار أقصر وأكثر شفافية. في هذا الخيار تصبح الرقابة دعامة للجودة لا عائقًا للإنجاز، وتصبح الثقة شرطًا للأثر لا مكافأة عليه بعد حدوثه.

المفارقة أن الإصلاح الإداري لا يحتاج دائمًا إلى أدوات جديدة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة مختلفة. فالمسألة لم تعد كيف نُحدث الهياكل، بل كيف نعيد تعريف ما يُكافأ وما يُعاقَب داخل المنظومة. حين يصبح اتخاذ القرار في الوقت المناسب قيمة مؤسسية، وحين يُدار الخطأ المهني كفرصة تعلّم لا كتهديد، يتغير سلوك الإدارة تلقائيًا حتى قبل أن تتغير القوانين. عندها فقط، يتحول الإصلاح من مشروع يُدار إلى ثقافة تُمارس، ومن تحديث يُعلَن إلى أثر يلمس.

لتفعيل هذا التحول عمليًا، يمكن للمنظومة أن تبدأ بـ:

وضع مؤشرات أداء تربط القرار بالأثر لا بالامتثال، مثل زمن الخدمة وجودة التجربة.

تدريب القيادات الوسطى على اتخاذ القرار ضمن حدود واضحة، مع حماية اجتهاداتهم من التعرض للمحاسبة الجائرة.

تصميم برامج تقييم دوري للثقة المؤسسية، مع مكافأة المبادرات الناجحة وإدارة الأخطاء المهنية كفرص للتعلّم والتحسين.

اعتماد مسارات قرار أقصر وأكثر شفافية، بحيث يصبح الموظف مسؤولًا ويشعر بالتمكين بدل الخوف.

الخلاصة أن الإصلاح الإداري لا يُقاس بعدد الإستراتيجيات ولا بجودة النصوص، بل بمدى استعداد المنظومة لتحمل كلفة القرار. لأن المؤسسة التي تُدار بمنطق الخوف ستقف دائمًا عند حدودها الدنيا مهما كثرت برامجها، بينما المؤسسة التي تُدار بثقة منضبطة ستنتج أثرًا حتى بأقل الموارد.

السؤال اليوم ليس ما الخطة القادمة، بل من يجرؤ داخل المنظومة على تحمّل كلفة القرار عندما تُختبر الثقة والإدارة فعليًا؟