موفق ملكاوي يكتب:- فلسطين 36": تفكيك سردية الاستعمار

تعود المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر إلى السينما من جديد، بفيلم دراما تاريخية بعنوان «فلسطين 36»، وتحشد له مجموعة من النجوم، لكي تلقي الضوء على فترة زمنية مهمة من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وهي فترة النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي، والذي شهد أحداثا وقرارات من قوى إمبريالية حددت مستقبل الصراع في المنطقة برمتها.
فيلم «فلسطين 36» إنتاج مشترك ضخم، يشارك في بطولته الممثل البريطاني الحاصل على الأوسكار جيرمي آيرونز، والفلسطينية هيام عباس، وكامل الباشا، وصالح بكري، وياسمين المصري، وجلال الطويل، وظافر العابدين.
الفيلم من تأليف جاسر نفسها، ويقدم صورة عن التطور الطبيعي لفكرة المقاومة والنضال، وصولا إلى الوعي بالحاجة الوطنية للاستقلال وامتلاك القرار وحق تقرير المصير، من خلال التنظيم ومناقشة الأفكار الإمبريالية المطروحة قسرا على الفلسطيني.
الفيلم لا يظهر سوى العرب والإنجليز، ويأتي تهميش اليهود من الحضور متعمّدا من أجل التأشير بقوة إلى من يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن النكبة التي سوف تأتي بعد سنوات قليلة، ومن كان يملك حق قرار استقدام آلاف اليهود من أوروبا، وتهجير آلاف الفلسطينيين من أرضهم.
الفئات الاجتماعية التي اختارتها جاسر للتعبير من خلالها عن المجتمع الفلسطيني، لم تأت صدفة، بل بعناية، وضمن تقسيم طبقي واضح، فثمة العمال ومجتمع الفلاحين، وهي الطبقة العاملة، أو محرك الإنتاج، ثم طبقة الموظفين، وهي الطبقة البُرجوازية المثقفة التي ناقشت النضال ومفهومه، وكانت حلقة وصل بين الطبقات، ثم الطبقة الأرستقراطية التي أدارت علاقات مشتبكة مع الاستعمار، وأظهرت دائما حسابات نفعية في هذه العلاقات. كما لم تنس المخرجةُ المرأةَ الفلسطينية التي ظهرت بفاعلية داخل الفيلم.
وفي سعيها لأن تعكس صورة واقعية عن المجتمع الفلسطيني، اختارت المخرجة الابتعاد عن المثالية والطوباوية في بناء الشخصيات، ولم تلجأ إلى توزيع صكوك المثالية بين المكونات المجتمعية والدينية المختلفة، لكي لا تجعل منه مجتمعا فوق واقعي وعصيا على السياق الإنساني الطبيعي، وبالتالي يصعب تصديقه والتفاعل معه، فقد جاءت الشخصيات بجميع الصفات البشرية، وظهر مجتمعا طبيعيا، يعيش فيه الانتهازي إلى جانب الوطني.
ملمح آخر اختارته المخرجة لكي تلقي الضوء على مساحة أكثر اتساعا من فلسطين، وهو البطولة الجماعية من خلال نماذج إنسانية من بيئات وطبقات مختلفة، فالفيلم يأتي من أجل بناء سردية وطنية في مواجهة السردية الإمبريالية الغربية عبر تفكيك السردية الاستعمارية، وإعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه فاعلا تاريخيا لا ضحية صامتة، وأيضا الربط بين الشخصي والوطني، واليومي والسياسي. لذلك يعتمد الفيلم بنية متعددة الأصوات، بحيث لا تروى الأحداث من زاوية واحدة، بل عبر تداخل مصائر شخصيات فلسطينية وبريطانية، ما يخلق توترا أخلاقيا مستمرا بين السلطة والمقاومة، والقانون والعدالة، والنظام الاستعماري والشرعية الشعبية.
من أجل محاولة التفكيك الفعلي للفيلم، لا بد من استحضار المفاهيم الأساسية عن الثقافة والإمبريالية، فمنذ البداية، يسعى الفيلم للتأكيد على أن فلسطين ليست «موضوعا»، بل ذاتا تاريخية. جاسر تسعى لإظهار ذلك؛ فالأرض ليست ساحة مضطربة تحتاج إلى إدارة، بل هي مجتمع قائم بذاته، له إيقاعه وطبقاته وتوتراته، لذلك فهي ترفض الصور النمطية التي أنتجها الغرب وسيطر على أبعادها لعقود طويلة.
وتحاول المخرجة جادة بناء السردية الخاصة من خلال عين الكاميرا التي أبعدتها عن المستعمر الإمبريالي، وسلطتها على الداخل الفلسطيني من أجل أن يعبّر عن ذاته، بعيدا عن جميع المعيقات التي تمنعه من أن يكون فاعلا، أو تؤثر في إيصال صوته الخاص والتعبير عن معاناته الحقيقية تجاه استعمار يخنقه، ويصادر منه كل شيء.
يظهر الفيلم الانتداب البريطاني كخطاب مدني متحضر يوازيه سلوك إمبراطوري متوحش، فيقوم بتعريته من هذا المنطلق المتعارض، فالإمبراطورية لا تحكم بالسلاح وحده، بل عبر اللغة والقانون وترسيخ فكرة «المهمة الحضارية»، فالإمبريالية تعمل عبر جعل السيطرة تبدو عقلانية وأخلاقية، بحسب إدوارد سعيد، لذلك يأتي الفيلم ليكشف ذلك عبر إقامة مقارنة بين لغة النظام والاستقرار التي يتحدث بها الاستعمار، وبين ممارساته القمعية اليومية، وهو بذلك لا يشيطن البريطاني كفرد، بل يكشف بنية السلطة الإمبراطورية نفسها.
كذلك، فإن فيلم «فلسطين 36» ينسف فكرة «الوسيط الغربي المحايد»، ويظهر بريطانيا طرفا بنيويا في الصراع عبر إظهارها كـ»مدير أزمة» صنعها بنفسه، واستخدمت بريطانيا خلالها خطاب التهدئة لتكريس اختلال القوة. الفيلم لا يظهر الاستعمار يقوم بأيّ وساطة نزيهة، ولا يعمل على إدارة انتقالية، بل أظهر سلطة استعمارية تدير الصراع بما يخدم مشروعا آخر.
الفلسطيني في الفيلم يظهر خارج «الكلاشيه» الذي رسمه له المستعمر، ولا يقدمه مختزلا كأيقونة، بل كشخص يعيش تحت ضغط التاريخ، فيرفض «التمثيل الاختزالي» عبر التنميط الغربي، ويصر على الحضور فلسطينيا عاديا جدا، فهو إنسان متردد وغاضب وخائف ومقاوم ومتناقض. كما يقاوم الفيلم أن يتم الحديث نيابة عن الفلسطيني بصفته «غير فاعل»، لذلك ينسف هذا التصور عبر إعطاء حرية الحديث للفلسطيني، ليس عبر الخطب، بل من خلال الفعل والقرار.
كذلك، فالفيلم يرفض التعامل مع الاستعمار على أنه «مرحلة انتهت»، وينطلق من أن التاريخ استمرارية لا حادثة، فالعام 1936 لا يقدم كبداية أو نهاية، بل كحلقة في سلسلة متصلة، فالإمبريالية «تترك أثرها في البنى، لا في التواريخ فقط»، وما حدث لاحقا لم يكن انقطاعا، بل امتدادا منطقيا.
اختار الفيلم الفن كأداة تفكيك، فهو لا يشرح نفسه للغرب، ولا يأتي لكي يبسط التاريخ، أو يبحث عن التعاطف السهل، بل لكي يمارس ما يمكن تسميته «السينما المناهضة للاستشراق»، والتي لا تنظر إلى الشرق من الخارج، بل تترك له حرية النظر إلى نفسه، من خلال كسر احتكار التمثيل، وتفكيك خطاب الإمبراطورية، ومحاولة إعادة الفلسطيني إلى مركز روايته. الفيلم لا يغلق 1936 بوصفه حدثا منتهيا، بل يربط بين بنية القمع آنذاك وما تلاها، ما يجعل التاريخ بنية مستمرة لا ذكرى.
«فلسطين 36» ليس، فقط، فيلما عن فلسطين، بل محاولة جادة لاستعادة السردية من الهيمنة الإمبريالية وتقديمها بلغتنا، ووفق رؤيتنا الخاصة، وهو بذلك فعل تصحيح ومقاومة، يطمح إلى كتابة التاريخ وفق المنظور الفلسطيني، فالمخرجة ترفض النظرة الفولكلورية، وتستخدم لغة سينمائية هادئة، غير تفسيرية، لا «تترجم» الفلسطيني للغرب، بل تجعله حاضرا دون اعتذار أو تبسيط، مستعيدا صوته التاريخي دون تلميع، ليفضح الاستعمار بوصفه نظاما معرفيا وأخلاقيا، لا مجرد احتلال عسكري


















