كيف لا يكون عيد الملك الرابع والستين محفورًا في قلوبنا؟

عمان-الاردن
٢٠٢٦/١/٢٩
القس سامر عازر
كيف لا يُحفر هذا اليوم في الذاكرة والوجدان، وقد ارتبط باسم قائدٍ لم يكن يومًا بعيدًا عن شعبه، ولا غريبًا عن هموم أمته، ولا منفصلًا عن قضايا وطنه؟ إن عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظّم الرابع والستين ليس مناسبة بروتوكولية عابرة، بل محطة وجدانية يتوقف عندها الأردنيون ليجددوا العهد والوفاء لقائدٍ صنع حضوره في قلوبهم قبل أن يصنعه في المحافل الدولية.
لقد حقق جلالة الملك مكانة مرموقة على مستوى العالم، لا بسطوة القوة، بل بحكمة القيادة، وصدق الموقف، ووضوح الرؤية. حضوره الدولي ليس حضورًا شكليًا، بل صوتًا مسموعًا واحترامًا مكتسبًا، جعل من الأردن دولة يُصغى إليها، ويُعوَّل على مواقفها، وتُقدَّر سياستها المتزنة في عالم يعج بالأزمات والتحولات. فكان جلالته، وما يزال، رجل الدولة الذي يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة العلاقات الدولية.
وفي الداخل، ظل جلالة الملك قريبًا من شعبه، لا تحجبه أسوار ولا تفصله مسافات. فتح أبواب الديوان الملكي العامر لكل الأردنيين، واستمع لهمومهم وتطلعاتهم، وتلمّس احتياجاتهم بصدق المسؤول الذي يرى في الشعب شريكًا لا متلقيًا. زياراته الميدانية، ولقاءاته المباشرة، ومتابعته الدقيقة للتفاصيل، كلها تعكس إيمانًا راسخًا بأن كرامة المواطن هي أساس استقرار الوطن.
أما مسيرة التطوير والبناء، فقد قادها جلالته بإصرار واضح، ساعيًا إلى تحديث الدولة وتعزيز اقتصادها، وجلب الاستثمارات العالمية، مستندًا إلى ما يتمتع به الأردن من أمنٍ وأمان، وموقعٍ جيوسياسي بالغ الأهمية، وشعبٍ مضيافٍ واعٍ ومحب للحياة. ورغم التحديات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، ظل الأردن، بقيادته، واحة استقرار، ونقطة جذب، ونموذجًا يُحتذى في الصمود والقدرة على التكيّف.
ولا يمكن أن يُذكر اسم جلالة الملك دون أن تُذكر القضية الفلسطينية، قضية الأردن الأولى والمركزية. فقد وقف جلالته، بثبات وشجاعة، إلى جانب الشعب الفلسطيني، مدافعًا عن حقه في الحرية والكرامة، ورافضًا كل محاولات التصفية أو التهجير. وخلال الحرب على غزة، كان صوته عاليًا في المحافل الدولية، حاملاً معاناة الأبرياء، مطالبًا بوقف العدوان، ومؤكدًا أن السلام لا يُبنى على الظلم ولا على أنقاض البيوت.
ومن موقع الوصاية الهاشمية، واصل جلالة الملك حماية ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها أمانة تاريخية ودينية، ومسؤولية لا تقبل المساومة. وفي السياق ذاته، جاء اعتماد موقع المغطس التاريخي، موقع عماد السيد المسيح، كموقع مسيحي معترف به عالميًا، ليؤكد رسالة الأردن في صون الإرث الديني، وترسيخ قيم العيش المشترك، واحترام التعددية الدينية والثقافية التي تشكل جزءًا أصيلًا من هوية الوطن.
وخلال الفترة الأخيرة، تواصلت إنجازات الدولة في مجالات متعددة: تحديث المنظومة السياسية، تمكين الشباب والمرأة، تطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، تعزيز الدور الإنساني للأردن تجاه اللاجئين، وترسيخ مكانته كدولة قانون ومؤسسات. كلها خطوات تعكس إرادة إصلاحية تسعى إلى مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
لذلك، كيف لا يكون عيد الملك الرابع والستين محفورًا في قلوبنا؟ وهو عيد قائدٍ أحب وطنه، فبادله الوطن حبًا، وحملَ الأمانة بثقلها، فاستحق الثقة، ومشى بالأردن وسط العواصف، ويقوده على الدوام إلى بر الأمان.
عيد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين هو عيد وفاء، وتجديد عهد، ودعاء صادق بأن يحفظ الله الأردن، ويديم على جلالته الصحة والعزم، ليبقى هذا الوطن، كما أراده الهاشميون، واحة أمن، وبيتًا جامعًا لكل أبنائه.


















