موفق ملكاوي يكتب :- تصنيع التعاطف": نزع الحقوق بـ"الأنسنة"

داخل منظومة الهيمنة الغربية، لا يكون التعاطف مجرد انفعال فردي أو جماعي منفلت، بل يتم "تصنيعه" في المجال العام من داخل مؤسسات راسخة تتمثل في الإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث والمنظمات والمنصات والأحزاب ودوائر التمويل، وفي النظم القانونية والخطابية. هذه المؤسسات لا تسأل غالبا عن الكيفية التي يمكن أن تنصت فيها للفلسطيني، بل عن الصيغة المقبولة للإنصات من دون أن تغير شيئا جوهريا في التموضع.
في هذا السياق يظهر منطق "التمثيل" الذي تنبهت إليه مفاهيم ما بعد الاستعمار، كما يظهر منطق "الإزاحة" الذي يقدم الفلسطيني كـ "ضحية خالصة"، ويجرده من الفاعلية السياسية التي تتطلب إطارا وتفسيرا ورؤية خاصة للعالم.
التحولات التي مرت بها القضية الفلسطينية عبر عقود الصراع، من قضية سياسية إلى "قضية إنسانية"، نشهد تمثلاتها الخطيرة اليوم في العدوان على قطاع غزة، والجدل الغربي حول امتداداته، فالخطاب التعاطفي المصنع ينتج إطارا إنسانيا منزوعا من سياقه العام، لتتحول القضية برمتها إلى سؤال إغاثة لا سؤال عدالة، ويصبح السؤال الطاغي: كيف نخفف الألم الآن؟ بينما يتم استبعاد السؤال الجوهري بإطاره السياسي والحقوقي: ما الذي يجب تغييره كي لا تتكرر المأساة؟
من خلال سيادة السؤال الطاغي بطابعه الإنساني، ينحصر التعاطف في مطالبات بممرات إنسانية آمنة، ومساعدات غذائية ودوائية، وخيام للإيواء، ووقف مؤقت للنار لعودة الحياة لشبه طبيعتها، لكن لا تظهر مطالبات بمساءلة جذرية لقضايا السيادة والحرية والعودة وإنهاء أشكال السيطرة، فطلب إيقاف العنف، لا يصاحبه طلب بإنهاء شروطه، وإدانة القتل لا يأتي مع إدانة النظام الذي يجعله متكررا وممأسسا ونتيجة منطقية لبنية سيطرة مستمرة، وهذا ما يجعل "الإنسانية" بديلا مريحا عن العدالة.
هذا لا يعني الاستهانة بعمليات الإغاثة التي يحتاجها قطاع غزة اليوم، وإنما يعني أن الإغاثة لم يتم ربطها بالحق، وأنه يتم استخدامها لـ"إدارة" المأساة لا إنهاء شروطها، بحسب منظور المفكر إدوارد سعيد، في حين يتحول التعاطف في زمن المنصات إلى اقتصاد بصور ومقاطع فيديو وحملات، فتأتي المعاناة بوصفها مادة وجدانية سريعة الاستهلاك، ويصبح الاعتراف مرتبطا بدرجة "قابلية التعاطف" لا بدرجة "الحق"، وهو ما يعيد منطقا استعماريا قديما في ثوب جديد، يتلخص في تجريد المستعمَر من السياسة وإبقائه في منطقة الألم الخالص.
الخطاب الغربي حول غزة ينطلق من توصيفات صحيحة بتسميتها "مأساة" و"كارثة" و"أزمة إنسانية غير مسبوقة"، والمشكلة ليست في صحة التوصيفات بل في ما تخفيه، إذ لا تستكمل هذه اللغة بتسمية البنية التي أنتجت الكارثة بما هي استعمار استيطاني، وحصار خانق طويل، ونظام سيطرة على الأرض والحياة.
في هذا السياق، يصبح التعاطف، كذلك، أبويا يقوم على صورة ضمنية تتأسس على معرفة مصلحة الفلسطيني أكثر منه، من خلال إغراق الفضاء العام بعبارات تبدو جيدة، ولكنها تحمل ترتيبا هرميا يتأسس على تأييد الفلسطيني كضحية لا كشعب يطالب بحقوق سياسية كاملة، وبإدانة العنف لكن بتجنب تسمية بنيته وأسبابه وتاريخ إنتاجه، وبالدعوة إلى التهدئة، لكن بالمساواة بين طرفين غير متكافئين في القوة والسيطرة.
والأبوية هنا لا تأتي بالضرورة بصوت متعال؛ قد تأتي بصوت رقيق، لكنها ترسم حدودا لما هو "عقلاني" و"مقبول"، فهي تعاطف مشروط يوجب على الفلسطيني أن يكون ضحية مثالية؛ متألما بلا غضب، وواضحا بلا مطالب "محرجة"، وإنسانيا بلا سياسة.
يمثل "التعاطف" في هذا السياق مصادرة صارخة للصوت الخاص، وليس إنصاتا له، وهو نمط متكرر في بنية الخطاب الغربي الإمبريالي، وليس زلات فردية. الخطر ليس في أن يبدي الغرب تعاطفه مع الفلسطيني، بل في أن يكون "تعاطفا مصنعا" يتم تحويله لبديل عن الاعتراف السياسي، فتمنح غزة دموعا بدل الحقوق، ويستبدل مطلب التحرر بطمأنة الضمير، ويصبح الفلسطيني مادة تحرك المشاعر لا شريكا يفرض لغة العدالة.

















