ماهر أبو طير يكتب :- بيوت منسية في عمان وإخوانها

ذات مرة عانى صديق يعمل في الولايات المتحدة من عدم قدرته على بيع مطاعمه التي كان يريد بيعها بعد تراكم الخسائر عليها كل يوم.
جاء إلى عمان في شهر رمضان، وزار بيوتا فقيرة في عمان وإربد والكرك، وأذكر أنه ذهب أيضا إلى البادية الشمالية، وعدة قرى ومخيمات، وحين سألته كيف ينفق مالا وهو يخسر أصلا، ويعاني من الديون، قال إن الإنفاق دواء وشفاء وفرج، حتى لو كنت أعاني من الديون، متحديا إياي أن مشاكله سوف تختفي مرة واحدة، وختم أعماله هنا بتزويد بئر ماء في مسجد بالماء، ثم غادر بعد العيد.
مرت عشرة أيام فقط، ثم اتصل بي ضاحكا، قائلا لقد بعت المطاعم جميعها بالسعر الذي أريد، ورفع الله عني كل هذه الأثقال، مذكرا إياي بالتحدي الذي كان قد قابلني به، بكون الصدقة ترفع البلاء، حتى لو كان صاحبها متعسرا ماليا، أو يعاني من قلة الدخل.
مناسبة الكلام ما تسمعه ونحن على مشارف رمضان، من كثيرين من أن قلة المال تمنعهم من مساعدة غيرهم، وهذه ذريعة وحجة، لأن شراء كيلو خبز بنصف دينار، لا يمنعك من التبرع ببقية الدينار في جيبك، لصندوق مسجد، أو لتكية أم علي، أو صندوق الأمان للأيتام أو برامج الهيئة الخيرية الهاشمية أو تكية ثريد أو الحملة الأردنية لغزة أو أي مؤسسة ثانية، ولا يعقل أن تنتظر أن يصبح دخلك مليونا من الدنانير حتى تساعد غيرك، في ظل فقر متزايد ويتم مؤلم.
ما دمنا قد تحدثنا عن تكية أم علي، فإنها من أفضل المؤسسات الخيرية في الأردن، وهي لا تأخذ قرشا من تبرعات المتبرعين للأردن أو لغزة، بل إن كل ما يدفعه الناس يذهب إلى الناس، وهي في كل عام لديها نشاطات واسعة من كفالة العائلات، الى دفع الزكاة للبيوت الفقيرة في الأردن وغزة، وطرود الخير، أو وجبات الإفطار الرمضانية، او وجبات عابري السبيل، او المشاركة في برامج الاستدامة، او الطرود الغذائية المخصصة لغزة، او برنامج كفالة طفل لطفل آخر، أو وجبات الكفارة، أو الصدقات العامة، وحملات المدارس والشتاء، وغير ذلك الكثير، والذي يدخل موقع التكية يكتشف تعدد البرامج، وسهولة التبرع، بما يجعلها منصة للخير.
أنا أشجع الناس على التبرع للتكية، فهي مؤتمنة، وشفافة، وقرشك فيها يصل كما هو إلى المحتاج في كل مكان في الأردن، أو عبر برامج غزة وهي برامج بدأت أيضا بتشغيل موردين داخل القطاع ذاته، لتوفير كلف كثير، في ظل مصاعب نقل المساعدات، بوجود إدارة مبتكرة للتكية، تعمل ليل نهار مع فريقها على تطوير البرامج.
دور الإعلام ليس نقل الأخبار، فقط، أو تحليل الأزمات، بل التركيز أيضا على بنية المجتمع الداخلي، لأن التكافل هنا بكل الوسائل سياسة في وجه من الوجوه أمام تعمق حدة الفقر، وعلينا أن نتذكر أن هناك بيننا في كل مكان في الأردن من شماله إلى جنوبه، فقراء لا يجدون رغيف الخبز، وبرامج الإعانة الرسمية لا تكفيهم أصلا، وهؤلاء لهم حق علينا، كلنا محسوبون على بعضنا البعض، وربما واجبنا أن نعلم أولادنا أن هناك من هو محروم وفقير في كل موقع نتخيله، فإن لم يرغب الإنسان بالتبرع لمؤسسات كبرى آمنة، وهذا حقه، عليه لحظتها أن يبحث عن البيوت المنسية، وأن يساعد غيره بربع كلفة تدخينه للسجائر في مجتمع يبدد ماله على التدخين والاتصالات والبنزين، لكنه عند الفقير يمانع أو يتردد أحيانا، أو يثير الشكوك.
وسط هذا العناء في حياتنا، وهذه الأزمات، والحروب المشتعلة، وتلك المحتملة على الطريق نحن جميعا بحاجة إلى فرصة نقاء روحي، وما من فرصة مثل تذكر غيرك ورفع المعاناة عن كثيرين من أهلنا.

















