أ. د . ألون بن مائير :- إيران، الحرب ووهم السيطرة

مع تصاعد حدة المفاوضات الأمريكية – الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني وخطر الهجوم على إيران، ينبغي على كل من إدارة ترامب وإيران التفكير ملياً في التداعيات الإقليمية الهائلة المحتملة في حال عدم التوصل إلى اتفاق. وإذا أقنع نتنياهو ترامب خلال اجتماعهما وقت كتابة هذا التقرير بأن مهاجمة إيران الآن، في ظل ضعف وكلاء طهران واضطراباتها الداخلية، ستؤدي إلى تغيير النظام، فسيكون كلاهما مخطئاً تماماً. يجب استكشاف جميع السبل السلمية لمنع الحرب، لأنه لن يكون هناك رابح، بل ستشهد المنطقة عدم استقرار طويل الأمد تتخلله دوامات عنف مروعة ستخلفها الحرب.
سيحمل أي هجوم أمريكي خطراً كبيراً لاندلاع حرب إقليمية. وقد توعدت إيران بضرب القواعد الأمريكية وإسرائيل. وستواجه دول الخليج، التي تستضيف منشآت أمريكية، ضربات صاروخية، مما سيزعزع استقرارها الأمني. ستواجه تركيا والسعودية ضغوطًا لتحقيق التوازن بين التزاماتهما تجاه التحالف مع الولايات المتحدة والحفاظ على الإستقرار الإقليمي، في حين ستشهد أسواق الطاقة العالمية اضطرابًا شديدًا.
خيارات إيران الإنتقامية
تتأثر حسابات إيران الإنتقامية بضعفها الحالي المتمثل في شبكة وكلاء متدهورة واضطرابات داخلية وأزمة اقتصادية تحدّ بشكل كبير من خياراتها. فالرد الشامل يُنذر بتصعيد قد يُهدد بقاء النظام، لذا من المرجح أن تُوازن طهران ردّها لإظهار العزم مع تجنب حرب شاملة لا يُمكنها كسبها. ومع ذلك، تمتلك إيران خيارات انتقامية متعددة في حال وقوع هجوم أمريكي، مستندةً إلى ترسانتها الصاروخية وقدراتها البحرية وموقعها الجغرافي الإستراتيجي.
1- ستطلق إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على المنشآت العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء الخليج العربي، بما في ذلك قاعدة العديد الجوية في قطر التي سبق أن ضربتها في يونيو 2025 بعد قصف الولايات المتحدة للمواقع النووية الإيرانية.
2- قد تطلق إيران ما يصل إلى ألفي صاروخ باليستي على إسرائيل في هجوم واحد، أي ما يقارب أربعة أضعاف ما استخدمته خلال حرب الأيام الاثني عشر، مستهدفةً البنية التحتية العسكرية والإستراتيجية، ومُلحقةً بها خسائر فادحة.
3- ستحاول إيران إغلاق مضيق هرمز باستخدام الألغام البحرية والزوارق الهجومية والغواصات، ما سيؤدي إلى تعطيل أكثر من 20٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية و25٪ من تجارة النفط البحرية، مُسببةً صدمة في أسعار الطاقة العالمية.
4- ستشنّ الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، مثل كتائب حزب الله، هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على القوات والقواعد الأمريكية في العراق والأردن، مُكررةً بذلك الضربة التي نُفّذت في يناير 2024 والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في موقع عسكري أردني.
5- ستستهدف إيران المنشآت الأمريكية الموجودة في دول خليجية مثل البحرين (مقر الأسطول الخامس الأمريكي) والكويت والإمارات العربية المتحدة، هذا على الرغم من أن المسؤولين الإيرانيين يُصوّرون هذه الهجمات على أنها لا تستهدف الدول المجاورة، بل “القواعد الأمريكية المتمركزة فيها”، وذلك للحدّ من ردود الفعل من الدول العربية.
لماذا يُعدّ تغيير النظام المفروض من الخارج كارثيًا؟
من المهم التذكير بأنه على الرغم من رغبة الإيرانيين في تغيير النظام، إلا أنهم يتمتعون بنزعة قومية متطرفة. فالتغيير المفروض من الخارج سيُثير ردود فعل قومية عنيفة ويُوحّد حتى معارضي النظام خلف الحكومة. ولا تزال سابقة فشل انقلاب عام 1953 المدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية راسخة في الوعي القومي الإيراني مُؤجّجةً لعقود من المشاعر المعادية لأمريكا، ومُؤديةً في نهاية المطاف إلى الثورة الإسلامية عام 1979.
إن تدمير النظام دون وجود خلفاء أكفاء يُنذر بفراغ في السلطة، وحرب أهلية، وفوضى عارمة. وقد أظهرت عملية اجتثاث حزب البعث في العراق أن تفكيك الهياكل الأمنية الراسخة يُمكن أن يُؤدي إلى دول فاشلة غير قابلة للحكم. كما أن الضربات العسكرية قد تُشتّت الأسلحة، وتُقوّي المتطرفين، وتُؤجّج أزمات اللاجئين، وتُزعزع استقرار الدول المجاورة – وهي عواقب فشل المخططون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا في توقعها.
وأخيراً، يُنظر إلى الحكومات التي نصّبت من قبل أجانب على أنها أنظمة دمية، مما يؤدي إلى معارضة داخلية مستمرة وتمرد وعدم استقرار – كما هو موثق في فشل أكثر من 60 بالمائة من عمليات تغيير النظام السرية التي نفذتها الولايات المتحدة بين عامي 1947 و 1989 والتي بلغ عددها 64 عملية.
لماذا يُعدّ التغيير الداخلي للنظام أكثر جدوى؟
يتفق الباحثون الإيرانيون عمومًا على أن الجيش، كما ذكرتُ في مقالتي السابقة – سواءً كان الجيش الإيراني أو الحرس الثوري – هو الأنسب لقيادة عملية الإنتقال، محافظًا على استمرارية المؤسسات وسيطرته على الأسلحة والتمويل والحكم. إن التغيير الذي يقوده الإيرانيون يتجنب وصمة “الدمية الأجنبية”، مما يمنح الحكومة الجديدة قبولًا شعبيًا أكبر بكثير واستقرارًا سياسيًا أوسع.
يدرك المطلعون على بواطن الأمور في الجيش آليات السلطة في النظام، ويمكنهم إدارة عملية الإنتقال دون الإنهيار المؤسسي الكارثي الذي يلي إزاحة القيادة الخارجية. وعلى عكس الإدعاءات بأن إيران تفتقر إلى خلفاء ذوي مصداقية، فإن النشطاء البارزين والحائزين على جائزة نوبل والمعارضين المسجونين يقدمون بدائل سياسية قابلة للتطبيق.
إيران تسعى إلى اتفاق مستدام مع الولايات المتحدة
على الرغم من أن إيران قد أشارت إلى استعدادها لتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم لديها من 60%، إلا أن طهران تُصرّ على أن التخصيب غير قابل للتفاوض وترفض مناقشة الصواريخ. ومع ذلك، فإن التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني بات في المتناول. كذلك، قد تنهي إيران دعمها لوكلائها كحماس وحزب الله، بعد أن أضعفتهم إسرائيل، وتواجه إيران الآن قيودًا اقتصادية ولوجستية لإعادة بناء هذه الجماعات، لا سيما بعد فقدانها موطئ قدمها في سوريا عقب سقوط نظام الأسد.
ولا يزال الحدّ من نطاق ومدى برنامجها الصاروخي بعيد المدى ممكنًا، شريطة أن: 1) يبدو الإتفاق بشأن الصواريخ الباليستية الإيرانية وكأنه لم تقدم إيران أي تنازلات حفاظًا على ماء الوجه، 2) تلتزم الولايات المتحدة بعدم مهاجمة إيران مستقبلًا، وأن تكبح جماح إسرائيل لتحذو حذوها، 3) أن تُطبّع الولايات المتحدة العلاقات طالما التزمت إيران التزامًا كاملًا بالإتفاق وكفت عن تهديد إسرائيل وجوديًا.
ولتفعيل هذا الإتفاق، يمكن للولايات المتحدة أن تقدم تخفيفًا شاملًا للعقوبات – برفع العقوبات الأساسية والثانوية على حد سواء – لاستعادة العلاقات المصرفية وصادرات النفط والتجارة. وتشمل الحوافز الإضافية المساعدة في بناء مفاعلات الطاقة النووية المدنية والسماح بتخصيب محدود تحت إشراف دولي، والإفراج التدريجي عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، وتوفير الأمن، والتطبيع التدريجي للعلاقات الدبلوماسية.
يجب على ترامب ونتنياهو أن يتذكرا أن إيران أمة فخورة تتمتع بصمود راسخ متجذر في آلاف السنين من التاريخ، ولها تراث ثقافي غني، وموارد طبيعية وفيرة، وشعور عميق بالكرامة الوطنية. إن الذاكرة الجماعية للشعب الإيراني عن الإستقلال والتحدي تضمن ألا يتمكن أي ضغط، أمريكي أو إسرائيلي، من إجبار إيران على الإستسلام. يجب على ترامب ونتنياهو التخلي عن وهم السيطرة على إيران.
وفي نهاية المطاف، يجب على الولايات المتحدة وإيران أن تتذكرا، كما قال سون تزو، أن أعظم انتصار يتحقق دون قتال.



















