قانون الضمان… حين تُعالَج الاختلالات برفع السقف على الناس لا على الإدارة

.
مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي يجب أن يُقرأ بوصفه اختباراً حقيقياً لنهج إدارة الدولة لملفاتها الحساسة. فالضمان ليس صندوقاً مالياً فحسب، بل هو مظلة أمان لمئات آلاف الأسر. وعندما تتجه التعديلات إلى رفع سن التقاعد أو التشدد في شروط التقاعد المبكر، فإن السؤال لا يكون: هل نريد استدامة مالية؟ بل: هل عولج الخلل من جذوره أم جرى تحميله للمشتركين؟
إن الاتجاه نحو رفع سن التقاعد يُقدَّم غالباً باعتباره حلاً “فنياً” لضبط الكلف وتحسين المؤشرات الاكتوارية. لكن في واقع سوق عمل يعاني من بطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب، فإن إبقاء الموظفين سنوات أطول في مواقعهم قد يعني عملياً إغلاق الأبواب أمام جيل كامل ينتظر فرصة. هنا تتقاطع السياسة الاجتماعية مع السياسة الاقتصادية: لا يمكن النظر إلى سن التقاعد بمعزل عن واقع التشغيل.
كما أن التشدد في التقاعد المبكر أو تعديل آليات احتساب الرواتب التقاعدية قد يحسّن أرقاماً على الورق، لكنه يضغط على فئات أنهكتها طبيعة أعمال شاقة أو ظروف صحية لا تسمح بالاستمرار حتى سن متقدمة. العدالة الاجتماعية تقتضي التمييز بين من يعمل في مكتب مكيّف ومن يعمل في الميدان أو المهن الخطرة.
لكن المشكلة الأعمق ليست في مادة رفع السن وحدها، بل في النهج ذاته: كلما ظهر خلل مالي أو تحذير اكتواري، كان الحل الأسرع هو تعديل شروط الاستحقاق بدل معالجة أسباب الاختلال. لماذا لا يبدأ الإصلاح من توسيع قاعدة المشتركين عبر إدماج القطاع غير المنظم؟ لماذا لا تُفعّل أدوات الاستثمار بكفاءة أعلى لزيادة عوائد أموال الضمان؟ لماذا لا يُعاد النظر في كلف الإدارة والحوكمة قبل المساس بحقوق المشتركين؟
هناك بدائل وحلول منطقيةعديدة
فبدلاً من المعالجة الخطية برفع السن للجميع، يمكن التفكير بحلول أكثر توازناً:
1. التدرج المرن في سن التقاعد: منح خيارات مرنة تتيح للموظف الاستمرار مقابل حوافز محسوبة، أو التقاعد المبكر مع معادلات عادلة لا تُرهقه ولا تُثقل الصندوق.
2. التمييز حسب طبيعة المهنة: الإبقاء على سن أقل للمهن الشاقة والخطرة، ورفع تدريجي محدود للمهن الأقل إجهاداً.
3. تحفيز التشغيل المتوازي: ربط أي رفع محتمل للسن بخطط حكومية واضحة لتوليد فرص عمل للشباب، حتى لا يتحول الإصلاح المالي إلى أزمة بطالة.
4. تعزيز الاستثمار والحوكمة: رفع كفاءة إدارة أموال المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وتوسيع أدواتها الاستثمارية ضمن ضوابط شفافة، بدلاً من الاكتفاء بتحميل المشترك الكلفة.
5. توسيع الشمول التأميني: إدخال العاملين في الاقتصاد غير الرسمي عبر حوافز واشتراكات مرنة، ما يوسّع القاعدة التمويلية ويخفف الضغط عن النظام.
إن أي إصلاح حقيقي يجب أن يقوم على مبدأ الشراكة والمصارحة. الأرقام الاكتوارية تُعرض بوضوح، والسيناريوهات تناقش علناً، والخبراء يُستمع إليهم بعيداً عن الحسابات الضيقة. أما أن تتكرر المعادلة ذاتها خطأ إداري يُعالج بتحميل المواطن تبعاته فهذا ما يبقي الدولة في حلقة مفرغة.
رفع سن التقاعد قد يكون أداة ضمن حزمة متكاملة، لكنه لا يجوز أن يكون العنوان الوحيد للإصلاح. الإصلاح الحقيقي يبدأ من عقلية الإدارة: من يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومن يواجه الخلل بشجاعة مؤسسية لا بقرارات ارتجالية.
قانون الضمان فرصة لإعادة بناء الثقة، لا لاختبار قدرتنا على تمرير قرارات غير شعبية. والفرق بين المسارين ليس في الجرأة على الرفع، بل في العدالة في المعالجة، وفي شمولية الرؤية.
بقلم د.فوزان البقور



















