م. معاذ المبيضين يكتب : لا تحرجوا الملك: كلفة الاستجابة المتأخرة وعبء الولاية العامة

تضع الأزمة الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، النظم الإدارية والاقتصادية أمام اختبارات لا تحتمل التأجيل. ومع انعكاس هذه التوترات بشكل مباشر على سلاسل التوريد وارتفاع كلف المعيشة، تبرز إشكالية تتجاوز مجرد غلاء الأسعار لتصل إلى جوهر الأداء الحكومي وقدرة المؤسسات التنفيذية على استباق الأزمة، وهو مكمن الحرج الذي لا ينبغي للحكومات أن تضع العرش فيه.
إن لجوء الدولة إلى تفعيل أدوات المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، وترؤس جلالة الملك لاجتماع فيه لمناقشة تداعيات الأزمة وتوافر السلع، يعكس بوضوح فجوة في الاستجابة الفورية لدى الفريق التنفيذي. ففي الأصل، تكمن قوة المؤسسات في قدرتها على العمل الذاتي ضمن سيناريوهات معدة مسبقاً، بحيث تظل الرؤية الاستراتيجية للقيادة بعيدة عن التفاصيل الإجرائية اليومية. والمسألة هنا ليست في توافر المخزون السلعي فحسب، بل في رسالة الطمأنينة التي فشلت الحكومة في إيصالها للأسواق وللمواطن قبل أن تشتعل الأسعار. فعندما تضطر القمة السياسية للتدخل في ملفات معيشية إجرائية، فذلك يشير إلى أن أدوات الرقابة الحكومية كانت تعمل بعقلية الاسترخاء بتوقيت يتطلب الاستنفار، مما دفع الملك للتدخل لملء فراغ المبادرة الحكومية.
من الأهمية بمكان استعادة الفهم الدستوري العميق لمكانة الملك في النظام السياسي الأردني؛ فالدستور وضع الملك في مكانة "المصان من كل تبعية ومسؤولية"، وهي حصانة تهدف إلى بقاء العرش حكماً ومرجعاً نهائياً، بينما تقع مسؤولية التنفيذ والمحاسبة والتبعية المباشرة على عاتق الحكومة بصفتها صاحبة الولاية العامة. هذا التكييف الدستوري يعني أن تدخل الملك لم يكن خياراً بروتوكولياً، بل كان ضرورة فرضها التقصير الواضح. فاضطرار جلالته لممارسة دور تنفيذي رقابي في هذا الملف هو تنبيه مؤسسي بأن الحكومة لم تقم بواجبها في حماية الاستقرار المعيشي بالسرعة والكفاءة المطلوبة. فالحكومة هي المطالبة دستورياً وأمام الرأي العام بتحمل تبعية التأخير، ولا ينبغي أن يكون التدخل الملكي وسيلة لامتصاص هذا التقصير، بل علامة فارقة تستوجب المراجعة.
تعتمد قوة الدولة على وضوح خطوط المحاسبة. وفي سياق الأزمة الحالية، نجد أن الخلل لم يكن في نقص الموارد، بل في بطء القرار. فالحرب الإقليمية ليست مفاجئة، وسيناريوهات تأثيرها كانت حاضرة في كل التحليلات الاستراتيجية. لذا، فإن السؤال الذي يطرحه الواقع اليوم: لماذا تأخرت الحكومة في اتخاذ تدابير استباقية تحمي المواطن من جشع بعض الفئات في السوق؟
عملياً، يُقاس الأداء العام للدولة بمدى قدرة المؤسسات التنفيذية على القيام بمهامها دون الحاجة لاستدعاء الثقل السيادي في كل منعطف. وعندما يلمس الملك تقصيراً في ملف يمس القوت اليومي، فإن ذلك يضع الحكومة في مواجهة حتمية مع ضرورة إعادة تعريف أدواتها، بعيداً عن منطق رد الفعل الذي يجعل من القمة السياسية سياجاً لعثرات الإدارة.
إن الرؤية التي تقودنا للخروج من هذه الحلقة المفرغة تتمثل في تعزيز مفهوم المسؤولية السياسية للحكومة. فالحصانة التي يتمتع بها الملك دستورياً يجب أن يقابلها انكشاف كامل للحكومة أمام المساءلة؛ فالمسؤول الذي لا يستطيع التنبؤ بأثر الأزمة على سعر السلعة الأساسية هو مسؤول يفتقد لأدوات الحكم الرشيد. كل ذلك يدعونا بأن نناشد الحكومة بأن "لا تحرجوا الملك"، فبناء الدولة القوية يتطلب حكومات لا تكتفي بتنفيذ التوجيهات، بل تبادر لحماية المجتمع كجزء من التزامها الدستوري والأخلاقي، بما يحفظ للعرش مكانته السامية كمرجع استراتيجي، بعيداً عن ضجيج الأسواق وعجز الإجراءات.



















