نور الدويري تكتب : الأردن والتموضع الاستراتيجي في إدارة الأزمات الإقليمية

كتبت: نور الدويري
في ظل التصعيد الإقليمي والحرب القائمة في المنطقة، يبرز الأردن مجددًا كنموذج لدولة تمتلك قدرة عالية على إدارة الأزمات بحكمة ومرونة. فمن خلال مزيج متوازن من أدوات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية والحكمة والخبرة للقيادة متمثلة بالملك عبدالله الثاني، إذ تمكن الأردن من الحفاظ على استقراره الداخلي وصورته الخارجية، مع تجنب الانزلاق نحو خيارات مكلفة أو غير محسوبة.
لذا تجدر الإشارة لابراز ملامح التموضع الأردني خلال هذه الأزمة او الحرب غير التقليدية، وكيف انعكست وقد تنعكس على الحاضر والمستقبل.
أولًا: إدارة الاستقرار الداخلي وتحصين الجبهة الوطنية
اعتمد الأردن خلال الأزمة على أولوية واضحة تتمثل في حماية الاستقرار الداخلي واستمرارية الحياة العامة، عبر ضبط الإيقاع السياسي والإعلامي، واحتواء أي توترات يمكن أن تتحول إلى تهديد اجتماعي أو أمني.
كما برزت أهمية إدارة الخطاب العام في ظل تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت “حرب السرديات” إلى جزء من معركة الاستقرار. وفي هذا السياق، تزداد الحاجة إلى خطاب وطني متوازن يقلل من الاستقطاب، ويعزز الثقة بالدولة، ويحول التفاعل الشعبي من ردود فعل عاطفية إلى وعي سياسي منضبط يخدم المصلحة الوطنية.
ثانيًا: الإدارة الاقتصادية الذكية خلال الأزمة
أظهرت الدولة الأردنية إدراكًا مبكرًا بأن أي حرب إقليمية لا تُقاس فقط بالجانب العسكري، بل تمتد مباشرة إلى الاقتصاد وسلاسل التوريد والطاقة والأسعار .
لذلك، اتجهت السياسات الاقتصادية نحو تعزيز المرونة من خلال تنويع مصادر الطاقة، وحماية استقرار الأسواق، والعمل على ضمان المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية. كما لعب القطاع الخاص دورًا داعمًا في الحفاظ على استمرارية التوريد، والاستفادة من البدائل اللوجستية الإقليمية لتجنب أي اختلال في التجارة أو توقف مفاجئ في خطوط النقل.
ثالثًا: التموضع الاستراتيجي الخارجي وتجنب فتح جبهات جديدة
على المستوى الخارجي، حافظ الأردن على نهج محسوب يقوم على تجنب توسيع دائرة التصعيد، وعدم فتح جبهات عربية جديدة في ظل وضع إقليمي شديد الحساسية.
كما استثمر الأردن حضوره الدبلوماسي في المؤتمرات والزيارات الدولية لتعزيز صورته كدولة مستقرة وموثوقة، قادرة على لعب دور متوازن في المنطقة. وبرزت أهمية هذا التموضع في جذب الدعم السياسي والاقتصادي من الشركاء الخليجيين والغربيين، بما يخدم مشاريع البنية التحتية والاحتياجات الاقتصادية في المرحلة القادمة.
وفي سياق العلاقة مع إيران، حرص الأردن على أن يكون أي موقف أو رد ضمن حدود السيادة والاعتبارات الأمنية، وحرص عدم تحويل المسار الرسمي بالمطلق عن دور متوازن واستراتيجي، مع إبراز الالتزام بالحلول الدبلوماسية والتعاون الإقليمي والدعوة لأنهاء الحرب والذهاب لطاولة المفاوضات مع التشديد على رفض ان يكون الأردن معبرا لأي طرف متمسكا بحق حماية أراضيه بشكل شرعي .
رابعًا: مكاسب ما بعد الحرب… وفرص إعادة التموضع
في حال اتجهت المنطقة نحو التهدئة وهو السيناريو الارجح، فإن الأردن قد يخرج بمكاسب سياسية واقتصادية مهمة، أبرزها تعزيز صورته كدولة مستقرة وسط محيط مضطرب، ما يرفع من مكانته التفاوضية مع الشركاء الدوليين في ملفات الاستثمار والطاقة والمساعدات.
كما يمكن أن تفتح المرحلة المقبلة فرصًا أكبر لمشاريع وطنية استراتيجية وشراكات إقليمية، خاصة إذا نجح الأردن في تحويل “كلفة الأزمة” إلى أوراق قوة تعزز موقعه الاقتصادي والسياسي.
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خصوصًا في ملفات الضغط الاقتصادي وارتفاع كلفة المعيشة والبطالة، ما يتطلب استمرار إدارة دقيقة للمرحلة المقبلة حتى لا تتحول الضغوط الإقليمية إلى عبء داخلي طويل الأمد.
يقدم الأردن نموذجًا لافتًا في إدارة الأزمات الإقليمية من خلال مزيج من الحكمة السياسية، والانضباط الأمني، والإدارة الاقتصادية الواقعية، والدبلوماسية المتوازنة. ويثبت أن مفهوم القوة في الشرق الأوسط لا يرتبط فقط بالتفوق العسكري، بل يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على الصمود، وحماية الداخل، وتثبيت موقعها ضمن التحولات الكبرى في الإقليم.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، يبدو أن “المنتصر الحقيقي” ليس من يتفوق عسكريًا فقط، بل من ينجو سياسيًا واقتصاديًا، ويحافظ على استقراره وسط الفوضى.
ويبقى السؤال كيف ستنتهي هذه الحرب غير التقليدية



















