+
أأ
-

دروس مؤلمة من جريمة صادمة

{title}
بلكي الإخباري

 

اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة

صدمت جريمة قتل الأب لأبنائه الإنسانية فينا جميعاً، فهذا السيناريو المروع يصعب تصوّره، خاصة أنه نابع من خلافات زوجية.

لكنه في الوقت ذاته يُعدّ تحذيراً قوياً من خطورة النزاعات الأسرية غير المتداركة. فالأسرة لنا هي الخط الدفاعي الأول للأمن المجتمعي، وانهيارها يحوّل المنزل إلى بؤرة تهديد تنتقل تداعياتها إلى النسيج الاجتماعي بأكمله.

من خلال دراساتنا الأمنية، وخصوصاً للعاملين في حماية الأسرة والأحداث، تعلّمنا أن النزاعات الأسرية غالباً ما تسلك مساراً تصاعدياً يمكن رصده مبكراً: تبدأ بتهديدات لفظية متكررة وتصعيد في لغة العنف، ثم قد تتطور إلى عزل اجتماعي وضغوط نفسية متراكمة، وتصل أحياناً إلى نوبات عنف جسدي أو نفسي متكررة. وفي حالات متطرفة (لكنها واقعة) يحدث فقدان السيطرة، خاصة في وجود أسلحة داخل المنزل.

تجاهل هذه المؤشرات يرفع بشكل كبير احتمالية وقوع جرائم قاتلة، ويهدّد الأمن المجتمعي والسلم الأهلي، ويزيد العبء على الأجهزة الأمنية.

لذلك لم يكن وجود إدارة حماية الأسرة عبثاً أو ترفاً، بل ضرورةً اجتماعية أمنية ملحة، مع تعقّد طبيعة الحياة وتداخل العوامل والمؤثرات التي تؤثر على الخلافات والنزاعات الأسرية.

فالإدارة تعمل كجهة وقائية أمنية متخصصة، تطبق إجراءات متدرجة وفق قانون الحماية من العنف الأسري ومنهجية إدارة الحالة: تبدأ باستقبال البلاغات، وتقييم مستوى الخطر خلال ساعات، ثم إجراء تقييم مهني مشترك (أمني، اجتماعي، نفسي) لتحديد الخطر على الأطفال أو أحد الأطراف، واتخاذ تدابير حماية عاجلة مثل نقل المتضرر إلى مكان آمن أو مستشفى.

وبعد ذلك تعمل على تسوية النزاعات الأسرية من خلال جلسات تسوية سرية بإشراف متخصصين، تهدف إلى حل سلمي قبل اللجوء إلى القضاء، مع توقيع اتفاقيات ملزمة ومتابعة تنفيذها. وقد تلجأ إلى تدابير الحماية القانونية مثل إصدار أوامر حماية مؤقتة (منع الاقتراب، إبعاد الجاني)، وإحالة الحالات الجنائية إلى المدعي العام مرفقة بتقارير فنية واجتماعية. كما تقدم دعماً نفسياً واجتماعياً، وبرامج توعية وقائية، ومتابعة طويلة الأمد لمنع التكرار، مع الحفاظ على سرية تامة لحماية الخصوصية. هذه الإجراءات تحول الخطر إلى فرصة إصلاح، وتقلل العبء الأمني بمنع الجرائم قبل وقوعها.

لذلك يُعد التدخل واجباً أمنياً في الحالات التالية: وجود تهديدات جدية، أو وجود أسلحة، أو تكرار العنف، أو تصعيد حاد، والأهم من ذلك إذا توفرت مؤشران على خطر مباشر على الأطفال (إصابات، قلق شديد، تراجع دراسي).

فالصمت على النزاعات الأسرية خوفاً من الوصم الاجتماعي قد يؤدي إلى جرائم صادمة للضمير والإنسانية، كما حدث في قتل الأب لأبنائه انتقاماً أو انهياراً، فالأمر سيان في النتيجة، مهما كان الباعث.

الجريمة الفظيعة التي ارتكبها الأب بحق أبنائه يجب أن نتوقف عندها؛ ونعيد تقييم طريقة التعامل مع النزاعات الأسرية. فهي تعطينا دروساً مؤلمة في أهمية الاستعانة بأخصائيي حماية الأسرة بشكل تشريعي ملزم، وزيادة الاهتمام بالضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تؤدي بإنسان إلى الانهيار التام عن إنسانيته بهذه الدرجة من الخطورة.